الأربعون حديثاً "للإمام الخميني (ره)" الحديث الأول: جهَاد النفس

2017-08-15
0
493

عن أبي عبد الله (الإمام جعفر الصادق عليه السلام) أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بعث سريّة، فلمَّا رجعوا، قال: مَرْحَباً بِقَومٍ قَضُوا الجهادَ الأصْغر وَبَقِي عَلَيهِمْ الجِهادُ الأكْبر، فقِيل: يَا رَسُولَ الله وَمَا الجهَادُ الأكْبر؟ قال: «جِهادُ النفس» ([1]).

أخبرني([2]) إجازة مكاتبةً ومشافهةً عدّة من المشايخ العظام، والثقاة الكرام: منهم الشيخ العلامة المتكلم، الفقيه الأصولي الأديب المتبحر الشيخ محمد رضا آل العلامة الوفي الشيخ محمد تقي الأصفهاني أدام الله توفيقه حين تشرفه بقم المشرفة.

والشيخ العالم الجليل المتعبد الثقة الثبت الحاج الشيح عباس القمي دام توفيقه. وكلاهما عن المولى العالم الزاهد العابد الفقيه المحدث الميرزا حسين النوري نوَّر الله مرقده الشريف عن العلامة الشيخ مرتضى الأنصاري قدس الله سره.

ومنهم السيد السند الفقيه المتكلم الثقة الثبت العلامة السيد محسن الأمين العاملي أدام الله تأييداته، عن الفقيه العلامة صاحب المصنفات العديدة السيد محمد بن هاشم الموسوي الرضوي الهندي المجاور في النجف الأشرف حياً وميتاً قدس الله سره، عن العلامة الأنصاري.

ومنهم العالم الثقة الثبت السيد أبو القاسم الدهكردي الأصفهاني، عن السيد السند الأمجد الميرزا محمد هاشم الأصفهاني قدس سره، عن العلامة الأنصاري. ولنا طرق أخرى غير منتهية إلى الشيخ تركناها، عن المولي الأفضل أحمد النراقي،

عن السيد مهدي الملقب «بحر العلوم» صاحب الكرامات ـ رضوان الله عليه ـ عن أستاذ الكل الآقا محمد باقر البهبهاني، عن والده الأكمل محمد أكمل، عن المولى محمد باقر المجلسي، عن والده المحقق المولى محمد تقي المجلسي، عن الشيخ المحقق البهائي، عن والده الشيخ حسين، عن الشيخ زين الدين الشهير بالشهيد الثاني، عن الشيخ علي بن عبدالعالي الميسي، عن الشيخ شمس الدين محمد ابن المؤذن الجزيني، عن الشيخ ضياء الدين علي، عن والده الحائز للمرتبتين الشيخ شمس الدين محمد بن مكي، عن الشيخ أبي طالب محمد فخر المحققين، عن والده آية الله الحسن بن مطهر العلامة الحلي، عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الحلي المحقق على الإطلاق، عن السيد أبي علي فخار بن معد الموسوي، عن الشيخ شاذان بن جبرائيل القمي، عن الشيخ محمد بن أبي القاسم الطبري، عن الشيخ أبي علي الحسن، عن والده شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ـ رحمه الله ـ جامع «التهذيب والاستبصار» عن إمام الفقهاء والمتكلمين، الشيخ أبي عبد الله محمد بن النعمان «الشيخ المفيد» عن شيخه رئيس المحدثين الشيخ أبي جعفر بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، صاحب كتاب «من لا يحضره الفقيه» عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن قولويه، عن الشيخ الأجل ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، صاحب «الكافي»، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي عن السكوني، عن أبي عبد الله (الإمام جعفر الصادق عليه السّلام) أن النبيَّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، بَعَثَ سَرَيَّةً، فَلَمَّا رَجَعُوا، قال: مرْحَباً بِقَوْم قضوا الجهادَ الأصْغَر وَبَقِىَ عَلَيْهِمُ الجِهادُ الأكْبَر، فقيل: يَا رَسْولَ الله وَمَا الجِهَادُ الأَكْبَر؟ قال: «جِهَادُ النفسَ» ([3]).

الشرح:

إن «السرية» قطعة من الجيش. ويقال خير السرايا أربعمائة رجل. وأما باقي مفردات الحديث فواضحة.

اعلم أن الإنسان كائن عجيب، له نشأتان وعالمان: نشأة ظاهرية ملكية دنيوية هي بدنه، ونشأة باطنية غيبية ملكوتية تكون من عالم آخر، إن لروح الإنسان التي هي من عالم الغيب والملك وت مقامات ودرجات قسَّموها بصورة عامة إلى سبعة أقسام حيناً، وإلى أربعة أقسام حيناً ثانياً، وإلى ثلاثة أقسام حيناً ثالثاً، وإلى قسمين حيناً رابعاً. ولكل من المقامات والدرجات جنود رحمانية وعقلانية تجذب النفس نحو الملكوت الأعلى وتدعوها السعادة. وجنود شيطانية وجهلانية تجذب النفس نحو الملكوت السفلي وتدعوها للشقاء. وهناك دائماً جدال ونزاع بين هذين المعسكرين، والإنسان هو ساحة حربهما، فإذا تغلبت جنود الرحمن كان الإنسان من أهل السعادة والرحمة وانخرط في سلك الملائكة وحُشِرَ في زمرة الأنبياء والأولياء والصالحين.

وأما إذا تغلب جند الشيطان ومعسكر الجهل، كان الإنسان من أهل الشقاء والغضب (غضوب لله سبحانه)، وحُشِرَ في زمرة الشياطين والكفار والمحرومين.

وحيث أن هذه الأوراق ليست محلاً للتفصيل والشرح، أشير هنا بصورة إجمالية إلى مقامات النفس وأوجه سعادتها وتعاستها، وأوضّح كيفية مجاهدتها إن شاء الله.

المقام الأول: وفيه عدة فصول

فصل: إشارة إلى المقام الأول للنفس

اعلم أن مقام النفس الأول ومنزلها الأدنى والأسفل، هو منزل الملك والظاهر وعالمهما. وفي هذا المقام تتألق الأشعة والأنوار الغيبية في هذا الجسد المادي والهيكل الظاهري، وتمنحه الحياة العرضية، وتجهز فيه الجيوش، فتكون ساحة معركة النفس وجهادها نفس هذا الجسد، وجنودها هي قواها الظاهرية التي وجدت في الأقاليم الملكية السبعة وهي: «الأذن والعين واللسان والبطن والفرج واليد والرجل». وتكون جميع هذه القوى المتوزعة في تلك الأقاليم السبعة، تحت

تصرف النفس في مقام الوهم، فالوهم سلطان جميع القوى الظاهرية والباطنية للنفس، فإذا تحكم الوهم على تلك القوى سواء بذاته ـ مستقلاً ـ وبتدخل الشيطان، جعلها ـ أي تلك القوى ـ جنوداً للشيطان، بذلك يجعل هذه المملكة تحت سلطان الشيطان، وتنه زم عندها جنود الرحمن والعقل، وتتوارى وتخرج من نشأة الملك وعالم الإنسان وتهاجر عنه، وتصبح هذه المملكة خاصة بالشيطان. وأما إذا خضع الوهم لحكم العقل والشرع، وكانت حركاته وسكناته مقيدة بنظام العقل والشرع، فقد أصبحت هذه المملكة مملكة روحانية وعقلانية، ولم يجد الشيطان وجنوده محط قد لهم فيها.

إذاً، يكون جهاد النفس في هذا المقام، عبارة عن انتصار الإنسان على قواه الظاهرية، وجعلها مؤتمرة بأمر الخالق، وعن تطهير المملكة من دنس وجود قوى الشيطان وجنوده.

فصل: في التفكر

اعلم أن أول شرط مجاهدة النفس والسير باتجاه الحق تعالى، هو «التفكر»، وقد وضعه بعض علماء الأخلاق في بدايات الدرجة الخامسة، وهذا ـ التصنيف ـ صحيح في محله أيضا.

التفكر في هذا المقام هو أن يفكر الإنسان بعض الوقت في أن مولاه الذي خلقه في هذه الدنيا، ووفّر له كل أسباب الدعة والراحة، ووهبه جسماً سليماً وقوى سالمة ذات منافع تحيِّر ألباب الجميع، والذي رعاه وهيَّأ له كل هذه السعة وأسباب النعمة والرحمة من جهة وأرسل جميع هؤلاء الأنبياء، وأنزل كلّ هذه الكتب «الرسالات»، وأرشد ودعا إلى الهدى من جهة أخرى... هذا المولى ماذا يستحق منا؟ وما هو واجبنا تجاه مالك الملوك هذا؟!. هل أن وجود جميع هذه النعم، هو فقط لأجل هذه الحياة الحيوانية وإشباع الشهوات التي نشترك فيها مع الحيوانات أو أن هناك هدفاً وغاية أخرى؟.

هل أن للأنبياء الكرام، والأولياء العظام، والحكماء الكبار، وعلماء كل أمة الذين يدعون الناس إلى حكم العقل والشرع ويحذرونهم من الشهوات الحيوانية

ومن هذه الدنيا البالية، عداءً ضد الناس أم أنهم كانوا مثلنا لا يعلمون طريق صلاحنا نحن المساكين المنغمسين في الشهوات؟!.

إن الإنسان إذا فكَّر لحظة واحدة، عرف أن الهدف من هذه النعم هو شيء آخر، وأن الغاية من هذا الخلق أسمى وأعظم، وأن هذه الحياة الحيوانية ليست هي الغاية بحدَّ ذاتها، وأن على الإنسان العاقل أن يفكر بنفسه، وأن يترحم على حاله ونفسه المسكينة، ويخاطبها قائلاً: أيتها النفس الشقية التي قضيت سني عمرك الطويلة في الشهوات، ولم يكن نصيبك سوى الحسرة والندامة، ابحثي عن الرحمة، وأستحي من مالك الملوك، وسيرى قليلاً في طريق الهدف الأساسي المؤدي إلى حياة الخلد والسعادة السرمدية، ولا تبيعي تلك السعادة بشهوات أيام قليلة فانية، التي لا تتحصل حتى مع الصعوبات المضنية الشاقة. فكّري قليلا في أحوال أهل الدنيا، من السابقين واللاحقين وتأملي متاعبهم وآلامهم كم هي أكبر وأكثر بالنسبة إلى هنائهم، في نفس الوقت الذي لا يوجد فيه هناء وراحة لأي شخص.

أن الذي يكون في صورة الإنسان ولكنه من جنود الشيطان وأعوانه، والذي يدعوك إلي الشهوات، ويقول: يجب ضمان الحياة المادية، تأمل قليلاً في حال نفس ذك الإنسان واستنطقه، وأنظر هل هو راضٍ عن ظروفه، أم أنه مبتلٍ ويريد أن يبلي مسكيناً آخر؟!.

وعلى أي حال، فادع ربك بعجز وتضرع أن يعينك على أداء واجباتك التي ينبغي أن تكون أساس العلاقة فيما بينك وبينه تعالى، والمأمول أن يهديك هذا التفكير المنبعث عن نية مجاهدة الشيطان والنفس الأمارة إلى طريق آخر ويوفقك للرقي إلى منزلة أخرى من منازل المجاهدة.

فصل: في العزم

وهناك مقام آخر يواجه الإنسان المجاهد بعد التفكر، وهو مقام العزم (وهذا هو غير الإرادة التي عدّها الشيخ الرئيس في الإشارات أولى درجات العارفين).

يقول أحد مشايخنا أطال الله عمره: «إنَّ‎‎ العزم هو جوهر الإنسانية، ومعيار ميزة الإنسان، وأن اختلاف درجات الإنسان باختلاف درجات عزمه».

والعزم الذي يتناسب وهذا المقام، هو أن يوطن الإنسان نفسه على ترك المعاصي وأداء الواجبات، ويتخذ قراراً بذلك، ويتدارك ما فاته في أيام حياته، وبالتالي يسعى على أن يجعل من ظاهره إنساناً عاقلاً وشرعياً، بحيث يحكم الشرع والعقل حسب الظاهر بأن هذا الشخص إنسان. والإنسان الشرعي هو الذي ينظم سلوكه وفق ما يتطلبه الشرع، يكون ظاهره كظاهر الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم، يقتدي بالنبي العظيم صلّى الله عليه وآله وسلم ويتأسى به في جميع حركاته وسكناته، وفي جميع ما يفعل وما يترك. وهذا أمر ممكن، لأن جعل الظاهر مثل هذا القائد أمر مقدور لأيّ فرد من عباد الله.

وأعلم... أن طي أي طريق في المعارف الإلهية، لا يمكن إلاّ بالبدء بظاهر الشريعة، وما لم يتأدب الإنسان بآداب الشريعة الحقة، لا يحصل له شيء من حقيقة الأخلاق الحسنة، كما لا يمكن أن يتجلى في قلبه نور المعرفة وتتكشف له العلوم الباطنية وأسرار الشريعة. وبعد انكشاف الحقيقة، وظهور أنوار المعارف في قلبه لا بد من الاستمرار في التأدب بالآداب الشرعية الظاهرية أيضاً.

ومن هنا نعرف بطلان دعوى من يقول: (إنّ الوصول إلى العلم الباطن يكون بترك العلم الظاهر)، أو (لا حاجة إلى الآداب الظاهرية بعد الوصول إلى العلم الباطن). وأن هذه الدعوى ترجع إلى جهل من يقول بها، وجهله بمقامات العبادة ودرجات الإنسانية. ولعلّي أتوفق لبيان بعض هذا الأمر في هذه الأوراق إن شاء الله تعالى.

فصل: في السعي للحصول على العزم

أيها العزيز... أجتهد لتصبح ذا عزم وإرادة، فإنك إذا رحلت من هذه الدنيا دون أن يتحقق فيك العزم (على ترك المحرمات) فأنت إنسان صوري، بلا لب، ولن تحشر في ذلك العالم (عالم الآخرة) على هيئة إنسان، لأن ذلك العالم هو محل كشف الباطن وظهور السريرة، وأن التجرؤ على المعاصي يفقد الإنسان

تدريجياً، العزم ويختطف منه هذا الجوهر الشريف. يقول الأستاذ المعظم دام ظله: «إنَّ أكثر ما يسبب على فقد الإنسان العزم والإرادة هو الاستماع للغناء».

إذاً، تجنب يا أخي المعاصي، وأعزم على الهجرة إلى الحق تعالى، وأجعل ظاهرك ظاهراً إنسانياً، وأدخل في سلك أرباب الشرائع، وأطلب من الله تعالى في الخلوات العون على بلوغ هذا الهدف وأستشفع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام حتى يوفقك الله على ذلك، ويعصمك من المزالق التي تعترضك، لأن هناك مزالق كثيرة تعترض الإنسان أيام حياته، ومن الممكن أنه في لحظة واحدة يسقط في مزلق مهلك، يعجز من السعي لإنقاذ نفسه، بل قد لا يهتم بإنقاذ نفسه، بل ربما لا تشمله حتى شفاعة الشافعين. نعوذ بالله منها.

فصل: في المشارطة والمراقبة والمحاسبة

ومن الأمور الضرورية للمجاهد: «المشارطة والمراقبة والمحاسبة». فالمشارط هو الذي يشارط نفسه في أول يومه على أن لا يرتكب اليوم أي عمل يخالف أوامر الله، ويتخذ قرارا بذلك ويعزم عليه. وواضح أن ترك ما يالف أوامر الله، ليوم واحد، أمر يسير للغاية، ويمكن للإنسان بكل سهولة أن يلتزم به. فاعزم وشارط وجرب، وأنظر كيف أن الأمر سهل يسير.

ومن الممكن أن يصور لك إبليس اللعين وجنده أن الأمر صعب وعسير. فأدرك أن هذه هي من تلبيسات هذا اللعين، فالعنة قلباً وواقعاً، وأخرج الأوهام الباطلة من قلبك، وجرب ليوم واحد، فعند ذلك ستصدق هذا الأمر.

وبعد هذه المشارطة عليك أن تنتقل إلى «المراقبة»، وكيفيتها هي أن تنتبه طوال مدة المشارطة إلى عملك وفقها، فتعتبر نفسك ملزماً بالعمل وفق ما شارطت. وإذا حصل ـ لا سمح الله ـ حديث لنفسك بأن ترتكب عملاً مخالفاً لأمر الله، فاعلم أن ذلك من عمل الشيطان وجنده، فهم يريدونك أن تتراجع عمًّا اشترطته على نفسك، فالعنهم واستعذ بالله من شرهم، واخرج تلك الوساوس الباطلة من قلبك، وقل للشيطان: «إني اشترطت على نفسي أن لا أقوم في هذا اليوم ـ وهو يوم واحد ـ بأ ي عمل يخالف أمر الله تعالى، وهو ولي نعمتي طول عمري، فقد أنعم وتلطّف عليًّ بالصحة والسلامة والأمن وألطاف أخرى، ولو أني بقيت في خدمته إلى الأبد لما أديت حق واحدة منها، وعليه فليس من اللائق أن لا أفي بشرط بسيط كهذا»، وآمل ـ إن شاء الله ـ أن ينصرف الشيطان، ويبتعد عنك، وينتصر جنود الرحمن.

والمراقبة لا تتعارض مع أي من أعمالك كالكسب والسفر والدراسة، فكن على هذه الحال إلى الليل ريثما يحين وقت المحاسبة.

وأما «المحاسبة» فهي أن تحاسب نفسك لترى هل أدّيت ما اشترطت على نفسك مع الله، ولم تخن ولي نعمتك في هذه المعاملة الجزئية؟ إذا كنت قد وفيت حقاً فاشكر الله على هذا التوفيق، وإن شاء الله ييسر لك سبحانه التقدم في أمور دنياك وآخرتك، وسيكون عمل الغد أيسر عليك من سابقه، فواظب على هذا العمل فترة، والمأمول أن يتحول إلى ملكة فيك بحيث يصبح هذا العمل بالنسبة إليك سهلا ويسيراً للغاية، وستحسُّ عندها باللذة والأنس في طاعة الله تعالى وترك معاصيه، وفي هذا العالم بالذات، في حين أن هذا العالم ليس هو عالم الجزاء لكن الجزاء الإلهي يؤثر ويجعلك مستمتعاً وملتذاً ـ بطاعتك لله وابتعادك عن المعصيةـ.

وأعلم أن الله لم يكلفك ما يشق عليك به، ولم يفرض عليك ما لا طاقة لك به ولا قدرة لك عليه، لكن الشيطان وجنده يصورون لك الأمر وكأنه شاق وصعب.

وإذا حدث ـ لا سمح الله ـ في أثناء المحاسبة تهاوناً وفتوراً تجاه ما اشترطت على نفسك، فاستغفر الله وأطلب العفو منه، وأعزم على الوفاء بكل شجاعة بالمشارطة غداً، وكن على هذا الحال كي يفتح الله تعالى أمامك أبواب التوفيق والسعادة، ويوصلك إلى الصراط المستقيم للإنسانية.

فصل: في التذكر

ومن الأمور التي تُعين الإنسان ـ وبصورة كاملة ـ في مجاهدته للنفس والشيطان، والتي ينبغي للإنسان السالك المجاهد الانتباه إليها جيداً هو «التذكر».

وبذكره نختم الحديث عن هذا المقام، على الرغم من أنه لا زال هناك الكثير من المواضيع.

والذكرى في هذا المقام، هي عبارة عن ذكر الله تعالى ونعمائه التي تلطف بها على الإنسان.

وأعلم أن احترام المنعم وتعظيمه، هو من الأمور الفطرية التي جبل الإنسان عليها والتي تحكم الفطرة بضرورتها، وإذا تأمل أي شخص في كتاب ذاته، لوجده مسطوراً فيه أنه يجب تعظيم من أنعم نعمةً على الإنسان. وواضح أنه كلما كانت النعمة أكبر وكان المنعم أقل غرضاً، كان تعظيمه أوجب وأكثر، حسب ما تحكم به الفطرة. فهناك مثلاً فرق واضح في الاحترام والتقدير بين شخص يعطيك «حصاناً» تلاحقه عيناه ويرمى من ورائه شيئاً، وبين الذي يهبك مزرعة كاملة ولا يمنَّ عليك. أو مثلاً، إذا أنقذك طبيب من العمى، فستقدره وتحترمه بصورة فطرية، وإذا أنقذك من الموت كان تقديرك واحترامك له أكثر.

لاحظ الآن أن النعم الظاهرة والباطنة التي تفضل بها علينا مالك الملوك جلَّ شأنه لو أجتمع الجن والإنس لكي يعطونا واحدة منها لما استطاعوا. وهذه حقيقة نحن غافلون عنها، فمثلاً هذا الهواء الذي ننتفع به ليلاً ونهاراً، وحياتنا وحياة جميع الموجودات مرهونة به، بحيث لو فُقد مدة ربع ساعة لما بقى هناك حيوان على قيد الحياة، هذا الهواء كم هو نعمة عظيمة، يعجز الجن والإنس جميعا عن منحنا مثيلا لها لو أرادوا أن يمنحونا ذلك؟ وعلى هذا فقس وتذكر قليلا كافة النعم الإلهية مثل سلامة البدن والقوى الظاهرية من قبيل البصر والسمع والتذوق واللمس، والقوى الباطنية مثل التخيّل والواهمة والعقل وغير ذلك حيث يكون لكل واحدة من هذه النعم منافع خاصة لا حد لها. وجميع هذه النعم وهبنا إياها مالك الملوك دون أن نطلب منه أو يمنَّ علينا ولم يكتف بهذه النعم بل أرسل الأنبياء والرسل والكتب وأوضح لنا طريق ا لسعادة والشفاء والجنة والنار، ووهبنا كلّ ما نحتاجه في الدنيا والآخرة، دون أن يكون فقيرا ومحتاجا إلى طاعتنا وعبادتنا. فهو سبحانه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية وطاعتنا وعبادتنا، وطاعتنا ومعصيتنا بالنسبة له على حد سواء، بل من أجل خيرنا ومنفعتنا نحن يأمر وينهي. وبعد تذكر هذه النعم والكثير الكثير من النعم

الأخرى التي يعجز حقا جميع الشر عن إحصاء الكليات منها، فكيف بعدّها واحداً واحداً؟ بعد ذلك يُطرح السؤال التالي: ألا تحكم فطرتك بوجوب تعظيم منعم كهذا وما هو حكم العقل تجـاه خيانة ولي نعمة كهذا ؟!.

ومن الأمور الأخرى التي تقرّها الفطرة، احترام الشخص الكبير العظيم، ويرجع كل هذا الاحترام والتقدير الذي يبديه الناس تجاه أهل الدنيا والجاه والثروة والسلاطين والأعيان، يرجع إلى أنهم يرون أولئك كبارا وعظماء، وأيّ عظمة تصل إلى مستوى عظمة مالك الملوك الذي خلق هذه الدنيا الحقيرة الوضيعة والتي تعتبر من أصغر العوالم وأضيق النشئات، رغم كل ذلك لم يتوصل عقل أي موجود إلى إدراك كنهها وسرّها حتى الآن، بل ولم يطلع كبار المكتشفين في العالم بعد، على أسرار منظومتنا الشمسية هذه، وهي أصغر المنظومات ولا تعد شيئا، قياسا بباقي الشموس. أفلا يجب احترام وتعظيم هذا العظيم الذي خلق هذه العوالم وآلاف الآلاف من العوالم الغيبية بإيمائه؟!.

ويجب أيضا بالفطرة، احترام من يكون حاضرا، ولهذا ترى بأن الإنسان إذا تحدث لا سمح الله عن شخص بسوء في غيبته، ثم حضر في أثناء الحديث ذلك الشخص، أختار المتحدث حسب فطرته الصمت، وأبدى له الاحترام. ومن المعلوم أن الله تبارك وتعالى حاضر في كل مكان وتحت إشرافه تعالى تدار جميع ممالك الوجود، بل إن كلّ نفس تكون في حضرة الربوبية، وكل علم يوجد ضمن محضره سبحانه وتعالى.

فتذكري يا نفسي الخبيثة أي ظلم فظيع، وأي ذنب عظيم تقترفين إذا عصيت مثل هذا العظيم في حضرته المقدسة وبواسطة القوى التي هي نعمه الممنوحة لك؟ ألا ينبغي أن تذوبي من الخجل وتغوري في الأرض لو كان لديك ذرة من الحياة؟.

إذاً: فيا أيها العزيز؛ كن ذاكرا لعظمة ربك، وتذكر نعمه وألطافه، وتذكر أنك في حضرته ـ وهو شاهد عليك ـ فدع التمرد عليه، وفي هذه المعركة الكبرى تغلب على جنود الشيطان، وأجعل من مملكتك مملكه رحمانية وحقانية، وأحلل فيها عسكر الحق تعالى محل جنود الشيطان، كي يوفقك الله تبارك وتعالى في مقام مجاهدة أخرى، وفي ميدان معركة أكبر تنتظرنا وهي الجهاد مع النفس في العالم

الباطن، وفي المقام الثاني للنفس، وهذا ما سنشير إليه لاحقا إن شاء الله. وأكرر التذكير بأنه في جميع الأحوال لا تعلق على نفسك الآمال لأنه لا ينهض أحد يعمل غير الله تعالى. فاطلب من الحق تعالى نفسه بتضرع وخشوع، كي يعينك في هذه المجاهدة لعلك تنتصر. إنه ولي التوفيق.

المقام الثاني: وفيه عدة فصول أيضا

فصل: صراع جنود الرحمن مع جنود الشيطان الباطنية النفسية

اعلم أن للنفس الإنسانية مملكة ومقاما آخر، وهي مملكتها الباطنية ونشأتها الملكوتية، وفيها تكون جنود النفس أكثر وأهم مما في مملكة الظاهر، والصراع والنزاع فيها بين الجنود الرحمانية والشيطانية أعظم والغلبة والانتصار فيها أشد وأهم، بل وأن كل ما في مملكة الظاهر قد تنزَّل من هناك وتظهر في عالم المُلك. وإذا تغلب أي من الجند الرحماني أو الشيطاني في تلك المملكة، يتغلب أيضا في هذه المملكة. وجهاد النفس في هذا المقام مهم للغاية عند المشايخ العظام من أهل السلوك والأخلاق، بل ويمكن اعتبار هذا المقام منبع جميع السعادات والتعاسات، والدرجات والدركات.

ويجب على الإنسان الالتفات كثيرا إلى نفسه في هذا الجهاد. فمن الممكن لا سمح الله أن تسفر هزيمة الجنود الرحمانية في تلك المملكة وتركها خالية للغاصبين والمحتلين من جنود الشيطان، عن الهلاك الدائم للإنسان بالصورة التي يستحيل معها تلافي الخسارة ولا تشمله شفاعة الشافعين، وينظر إليه أرحم الراحمين أيضا بعين الغضب والسخط ـ نعوذ بالله من ذلك ـ بل ويصبح شفعاؤه خصماءه، وويل لمن كان شفيعه خصمه.

ويعلم الله أي عذاب وظلمات وشدائد وتعاسات تلي هذا الغضب الإلهي. وتعقب معاداة أولياء الله حيث تكون كل نيران جهنم وكل الزقوم والأفاعي والعقارب لا شيء أمام هزيمة جنود الرحمان من قِبَلِ جنود الشيطان التي تترتب عليها

عقوبات تفوق جميع نيران جهنم والزقوم والأفاعي. والعياذ بالله من أن يصب على رؤوسنا نحن الضعفاء والمساكين ذلك العذاب الذي يخبر عنه الحكماء والعرفاء وأهل الرياضة والسلوك، فإنّ جميع أشكال العذاب التي تتصورونها، يسيرة وسهلة في مقابلة، وجميع النيران التي سمعتم بها، جنة ورحمة في قباله وبالنسبة إلى ذلك العذاب.

إن وصف النار والجنة الوارد في كتاب الله وأحاديث الأنبياء والأولياء، يتعلق غالبا بنار الأعمال وجنتها اللتين أعدتا للأعمال الصالحة والسيئة. وهناك إشارة خفية أيضا إلى جنة الأخلاق ونارها، وأهميتهما أكبر، وأحيانا يشار أيضا إلى جنة اللقاء ونار الفراق، وهذه أهم من الجميع، ولكنها إشارات محجوبة عنا، ولها أهلها، وأنا وأنت لسنا من أهلها، ولكن من الأجدر بنا أن لا نكون منكرين لها. وليكن لدينا إيمان بكل ما قاله الله تعالى وأولياؤه. إذ يكون في هذا الإيمان الإجمالي نفع لنا. ومن الممكن أن يكون الإنكار في غير محله، ولما رفض في غير موقعه الصادرين عن غير علم وفهم، أضرارٌ كبيرة جدا علينا. وهذه الدنيا ليست هي بعالم الالتفات لتلك الأضرار. فمثلا عند سماعك الحكيم الفلاني أو العارف الفلاني أو المرتاض الفلاني، يقول شيئا لا يتلاءم وذوقك الخاص، فلا تحكم عليه فورا بالبطلان والوهم، فقد يكون لذلك القول أصل في الكتاب والسنّة ولكن عقلك لم يطلع عليه بعد.

فما الفرق بين أن يفتي فقيه بفتوى في باب الديات وأنتم لم تعرفوها، ثم من دون مراجعه دليله تردونه، وبين أن يقول شخص سالك إلى الله أو عارف بالله، قولا بتعلق بالمعارف الإلهية أو بأحوال الجنة والنار، وأنتم ودون مراجعة لدليله لا تردونه فحسب، بل وتهينونه أو تتجرءون عليه؟ فمن الممكن لذلك الشخص وهو من أهل ذلك الوادي وصاحب ذلك الفن أن يكون له دليل من كتاب الله، أو من أحاديث الأئمة ولكنك لم تطلع عليه بعد، ففي هذه الحالة تكون قد رددت على الله ورسوله دون مبرر مقبول. ومعلوم أن الاحتجاج بأسلوب «أن ذلك لا يتلاءم مع ذوقي» أو «لم يصل إليه علمي» أو «سمعت خلاف ذلك من الخطباء»، فإن هذا كله لا يشكل عذرا مقبولا. وعلى أي حال لنرجع إلي صلب الموضوع.

فم قالوه بشأن جنة الأخلاق والملكات، وجهنم الأخلاق والدركات، مصيبة لا يطبق العقل حتى سماعها.

إذاً فيا أيها العزيز؛ فكِّر، وأبحث عن العلاج، وأعثر على سبيل نجاتك ووسيلة خلاصك، وأستعن بالله أرحم الراحمين، واطلب من الذات المقدس، في الليالي المظلمة، بتضرع وخضوع أن يعينك في هذا الجهاد المقدس مع النفس، لكي تتغلب إن شاء الله، وتجعل مملكة وجودك رحمانية، وتطرد منها جنود الشيطان، وتسلّم الدار إلى صاحبها حتى يفيض الله عليك السعادة والبهجة والرحمة التي يهون جانبها كلّ ما سمعت عن وصف الجنة والحور والقصور وتلك هي السلطة الإلِّهية العامة التي أخبر عنها أولياء الله من هذه الأمة الحنيفة، مما لم يطرق سمع أحد ولم يخطر على قلب بشر.

فصل: إشارة إلى بعض القوى الباطنية

اعلم أن الله تبارك وتعالى قد خلق بيد قدرته وحكمته في عالم الغيب وباطن النفس، قوىً لها منافع لا تحصى. وأن ما نبحثه هنا هو ما يتعلق بهذه القوى الثلاث، وهي: «الوهمية والغضبية والشهوانية»، ولكل واحدة من هذه القوى منافع كثيرة من أجل حفظ النوع والشخص وإعمار الدنيا والآخرة كما ذكر ذلك العلماء. ولا حاجة لنا في بيان ذلك في هذه اللحظة، وما يجب أن أنبه عليه في هذا المقام هو أن هذه القوى الثلاث هي منبع جميع الملكات الحسنة والسيئة، وأصل جميع الصور الغيبة الملكوتية. وتفصيل هذا الإجمال هو أن الإنسان كما أن له في هذه الدنيا صورة مُلكيه دنيوية، خلقها الله تبارك وتعالى على كمال الحسن والجمال والتركيب البديع، والتي تتحيّر أمامها عقول جميع الفلاسفة والعظماء، لم يستطع علم معرفة الأعضاء والتشريح حتى الآن أن يتعرف على حقيقتها بصورة صحيحة، وقد ميّزها الله تعالى عن جميع المخلوقات بحسن التقويم وجودة جمال المنظر، كذلك فإن له ـ أي للإنسان ـ صورة وهيئة وشكلاً ملكوتيا غيبياً، وهذه الصورة تابعة لملكات النفس والخلقة الباطنية.

وفي عالم ما بعد الموت ـ سواء في البرزخ أو القيامة ـ إذا كانت خلقه الإنسان في الباطن والمَلَكة والسريرة إنسانية، تكون الصورة الملكوتية له صورة إنسانية أيضاً. وأما إذا لم تكن ملكاته ملكات إنسانية، فصورته ـ في عالم ما بعد الموت ـ تكون غير إنسانية أيضا، وهي تابعة لتلك السريرة والملكة. فمثلا إذا غلبت على باطنه ملكة الشهوة والبهيمية، وأصبح حكم مملكة الباطن حكم البهيمة، كانت صورة الإنسان الملكوتية على صورة إحدى البهائم التي تتلاءم وذلك الخُلُق. وإذا غلبت على باطنه وسريرته ملكة الغضب والسبعية، وكان حكم مملكة الباطن والسريرة حكماً سبعياً، كانت صورته الغيبة الملكوتية صورة أحد السباع والبهائم. وإذا أصبح الوهم والشيطنة هما المَـلَكة، وأصبحت للباطن والسريرة ملكات شيطانية كالخداع والتزوير والنميمة والغيبة، تكون صور ته الغيبة الملكوتية على صورة أحد الشياطين حسب ما يتناسب وتلك الصورة.

ومن الممكن أحياناً أن تتركب الصورة الملكوتية من ملكتين أو عدة ملكات، وفي هذه الحالة لا تكون على صورة أي من الحيوانات، بل تتشكل له صورة غريبة، هذه الصورة بهيئتها المرعبة المدهشة والسيئة المخيفة، لن يكون لها مثيل في هذا العالم.

ينقل عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن بعض الناس يحشرون يوم القيامة على صورة تكون أسوأ من صورة القردة، بل وقد تكون لشخص واحد عدة صور في ذلك العالم، لأن العالم لا يضاهي هذا العالم الذي لا يمكن لأي شيء، أن يتقبّل أكثر من صورة واحدة له. وهذا الأمر يتطابق مع البرهان ويكون ثابتا في محله أيضاً.

واعلم أن المعيار لهذه الصورة المختلفة ـ والتي تعد صورة الإنسان واحدة منها، والباقي صور أشياء أخرى ـ هو وقت خروج الروح من هذا الجسد، وظهور مملكة البرزخ، واستيلاء سلطان الآرة، والذي أوله في البرزخ عند خروج الروح من الجسد، فبأية ملكة يخرج بها الإنسان من الدنيا، تتشكل على ضوئها صورته الأخروية، وتراه العين الملكوتية في البرزخ، وهو نفسه أيضا عندما يفتح عينه في برزخه، ينظر إلى نفسه بالصورة التي هو عليها ـ في ذلك العالم ـ إذا كان لديه بصر. وليس من المحتم أن تكون صورة الإنسان في ذلك العالم على نفس تلك الصورة التي كان عليها في هذه الدنيا. يقول سبحانه وتعالى على لسان البعض: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا}. فيأتيه من الله الجواب: {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}([4]).

فيا أيها المسكين؛ قد كانت لديك عين مُلكية ظاهرة البصر، ولكنك في باطنك ومَلكوتك كنت أعمى، وقد أدركت ذلك ـ العمى ـ فعلا. نعم إنك كنت أعمى منذ البداية، ولم تكن لديك عين البصير ة الباطنية التي ترى بها آيات الله.

أيها المسكين؛ أنت ذو قامة متناسقة وصورة جميلة في التركيب المُلكي. ولكن معيار عالم الملكوت والباطن يختلف عن المعايير المادية. عليك أن تحرز الاستقامة الباطنية كي تكون مستقيم القامة في يوم القيامة. يجب أن تكون روحك روحا إنسانية، كي تكون صورتك في عالم البرزخ صورة إنسانية... أنت تظن أن عالم الغيب والباطن ـ وهو عالم كشف السرائر وظهور الملكات ـ مثل عالم الظاهر والدنيا، حيث يمكن أن يقع الخطأ والالتباس... إن عينيك وأذنيك ويديك ورجليك وسائر أعضاء جسدك، جميعها، ستشهد عليك بما فعلت بألسنة ملكوتية، بل وبعضها بصور ملكوتية.

أيها العزيز؛ أفتح سمع قلبك، وشدّ حزام الهمّة على وسطك، وأرحم حال مسكنتك، لعلك تستطيع أن تجعل من نفسك إنساناً، وأن تخرج من هذا العالم في صورة إنسان، لتكون عندها من أهل الفلاح والسعادة وحذاري من أن تتصور أن كل م تقوم هو موعظة وخطابة. فهذا كله هو نتيجة أدلّة فلسفية توصّل إليها الحكماء العظام. وثمرة كشف، أنكشف لأصحاب الرياضات، وحصيلة أخبار مأثورة إخبار عن الصادقين والمعصومين عليهم السلام.

ولا نتوخَّى في هذه الأوراق عرض البراهين والأحاديث بصورة مشروحة ومفصلة.

فصل: في بيان لجم الأنبياء لطبيعة الإنسان

اعلم أن الوهم والغضب والشهوة يمكن أن تكون من الجنود الرحمانية، وتؤدي إلى سعادة الإنسان وتوفيقه إذا سلّمتها للعقل السليم وللأنبياء العظام. ومن الممكن أن تكون من الجنود الشيطانية إذا تركتها وشأنها، وأطلقت العنان للوهم ليتحكم في القوتين الأخريين: الغضب والشهوة.

وأيضاً لك يعد خافياً أن أياً من الأنبياء العظام عليهم السلام لم يكبتوا الشهوة والغضب والوهم بصورة مطلقة، ولم يقل حتى الآن أي داع إلى الله. بأن الشهوة يمكن أن تُقتل بصورة عامة، وأن يُخمد أوار الغضب بصورة كاملة، وأن يترك تدبير الوهم بل قالوا: يجب السيطرة عليها حتى تؤدي واجبها في ظل ميزان العقل والدستور الإِلهي لأن كل واحدة من هذه القوى تريد أن تنجز عملها وتنال غايتها ولو استلزم ذلك الفساد والفوضى. فمثلا النفس البهيمية المنغمسة في الشهوة الجامحة التي مُزّقت عنانها تريد أن تحقق هدفها ومقصودها، ولو كان ذلك يتم بواسطة الزنا بالمحصنات وفي الكعبة (والعياذ بالله). والنفس الغضوب، تريد أن تنجز ما تريد حتى ولو استلزم ذلك قتل الأنبياء والأولياء. والنفس ذات الوهم الشيطاني تريد أن تؤدي عملها حتى ولو استلزم ذلك الفساد في الأرض، وقلب العالم بعضه على بعض.

لقد جاء الأنبياء عليهم السلام، وأتوا بقوانين، وأُنزلت عليهم الكتب السماوية، من أجل الحيلولة دون الانفلات والإفراط في الطبائع، ومن أجل إخضاع النفس الإنسانية لقانون العقل والشرع وترويضها وتأديبها حتى لا يخرج تعاملها ن حدود العقل والشرع.

إذاً؛ فكل نفس كيَّفت ملكاتها وفق القوانين الإلهية والمعايير العقلية، تكون سعيدة ومن أهل النجاة، وإلاَّ فليستعذ الإنسان بالله من ذلك الشقاء وسوء التوفيق وتلك الظلمات والشدائد المقبلة التي منها تلك الصور المرعبة والمذهلة المصاحبة للإنسان في البرزخ والقبر والقيامة وجهنم، والتي نتجت عن الملكات والأخلاق الفاسدة التي لازمته في الدنيا.

فصل: في بيان السيطرة على الخيال

اعلم أن الشرط الأول للمجاهد في هذا المقام (جهاد النفس) والمقامات الأخرى والذي يمكن أن يكون أساس التغلّب على الشيطان وجنوده، هو إمساك طائر الخيال، لأن هذا الخيال طائر متحلّق يستقرّ في كل آن على غصن ويجلب الكثير من الشقاء. وأنه من إحدى وسائل الشيطان التي جعل الإنسان بواسطتـها مسكيناً عاجزاً ودفع به نحو الشقاء.

وعلى الإنسان المجاهد الذي نهض لإصلاح نفسه، وأراد أن يصفّي باطنه ويفرغه من جنود إبليس، عليه أن يمسك بزمام خياله وأن لا يسمح له بأن يطير حيثما شاء، وعليه أن يمنع من التحليق في الخيالات الفاسدة والباطلة، والمعاصي والشيطنة، وأن يوجه خياله دائما نحو الأمور الشريفة. وهذا الأمر ولو أنه قد يبدو في البداية صعبا بعض الشيء، ويصوره الشيطان وجنوده لنا وكأنه أمر عظيم، ولكنه يصبح يسيراً بعد شيء من المراقبة والحذر.

إن من الممكن لك ـ من باب التجربة ـ أن تسيطر على جزء من خيالك، وتنتبه له جيدا. فمتى ما أراد أن يتوجَّه إلى أمر وضيع، اصرفه نحو أمور أخرى كالمباحات أو الأمور الراجحة الشريفة. فإذا رأيت أنك حصلت على نتيجة فاشكر الله تعالى على هذا التوفيق، وتابع سعيك، لعل ربك يفتح لك برحمته الطريق أمامك للملكوت وتهتدي إلى صراط الإنسانية المستقيم، ويسهل مهمة السلوك إليه سبحانه وتعالى.

وانتبه إلى أن الخيالات الفاسدة القبيحة والتصورات الباطلة هي من إلقاءات الشيطان، الذي يريد أن يوطن جنوده في مملكة باطنك. فعليك أيّها المجاهد ضد الشيطان وجنوده وأنت تريد أن تجعل من صفحة نفسك مملكة إلهية رحمانية، عليك أن تحذر كيد هذا اللعين، وأن تبعد عنك هذه الأوهام المخالفة لرضا الله تعالى، حتى تنتزع ـ إن شاء الله ـ هذا المتراس المهم جدا من يد الشيطان وجنوده في هذه المعركة الداخلية. فهذا المتراس بمنزلة الحد الفاصل، فإذا تغلبت وانتصرت فتأمل خيرا.

أيها العزيز... استعن بالله تبارك وتعالى في كل آن ولحظة، وأستغث بحضرة معبودك، واطلب منه بعجز وإلحاح. قائلا:

اللهم... إن الشيطان عدو عظيم، كان له ولا يزال طمع بأنبيائك وأوليائك العظام.

اللهم... فأعني وأنا عبدك الضعيف المبتلى بالأوهام الباطلة والخيالات والخرافات العاطلة، كي أستطيع أن أجابه هذا العدو القوي.

اللهم... وساعدني في ساحة المعركة مع هذا العد والقوي الذي يهدد سعادتي وإنسانيتي، لكي أستطيع أن أطرد جنوده من المملكة العائدة لك، وأقطع يد هذا الغاضب من البيت المختص بك.

فصل: في الموازنة

ومن الأمور التي تعين الإنسان في هذا السلوك، والتي يجب عليه الانتباه لها هي «الموازنة». فالموازنة هي أن يقارن الإنسان العاقل بين منافع ومضارّ كل واحدة من الأخلاق الفاسدة والملكات الرذيلة التي تنشأ عن الشهوة والغضب والوهم عندما تكون طليقة وتحت تصرف الشيطان وبين منافع ومضار كل واحدة من الأخلاق الحسنة والفضائل النفسية والملكات الفاضلة والتي هي وليدة تلك القوى الثلاث عندما تكون تحت تصرف العقل والشرع، ليرى على أي واحدة منها يصح الإقدام ويحسن العمل؟!.

فمثلا، إن النفس ذات الشهوة المطلقة العنان المتعمقة فيها وأصبحت ملكة ثابتة لها، وتولدت منها ملكات كثيرة في أزمنة متطاولة، هذه النفس لا تتورع عن أي فجور تصل يدها إليه، ولا عرض عن أي مال يأتيها، ومن أي طريق كان، وترتكب كل ما يوافق رغبتها وهواها ـ مهما كان ـ ولو أستلزم ذلك أي أمر فاسد وحرام.

وآثار الغضب الذي أصبح ملكة للنفس، وتولدت منه ملكات ورذائل أخرى، هي أنه يظلم بالقهر والغلبة كل ما تصل إليه يده، ويفعل ما يقدر عليه ضد كل

شخص يبدي أدنى مقاومة، ويثير الحرب بأقل معارضة له، ويبعد المضرات وما لا يلائمه، بأية وسيلة مهما كانت، ولو أدى ذلك إلى وقوع الفساد في العالم. فهذا هي العوائد على صاحب الواهمة الشيطانية الذي ترسخت فيه هذه الملكة، فهو ينفذ عمل الغضب والشهوة بأية شيطنة وخدعة كانت، ويسيطر على عباد الله بأية خطة باطلة تتم، سواء بتحطيم عائلة ما، بإبادة مدينة أو بلاد ما.

هذه هي آثار تلك القوى عندما تكون تحت تصرف الشيطان. ولكن عندما تفكرون بصورة صحيحة، وتلاحظون أحوال هؤلاء الأشخاص، تجدون أن أيَّ ـ شخص مهما كان قوياً، ومهما حقق من آماله ـ وآمانيه ـ فإنه ـ رغم ذلك ـ لا يحصل حتى على واحد من الألف من آماله، بل إن تحقق الآمال ووصول أي شخص إلى أمانيه، أمر مستحيل في هذا العالم، فإن هذا العالم هو «دار التزاحم» وأن مواده تتمرد على الإدارة. كما أن ميولنا وأمنياتنا أيضا لا يحدّها حدّ. فمثلا إن القوة الشهوية في الإنسان، هي في صورة لو كانت بيده نساء مدينة كاملة ـ بفرض المحال ـ لتوجه إلى نساء مدينة أخرى أيضاً، وإذا أصبحت بلاد بأكملها من نصيبه لتوجه إلى بلاد أخرى، وعلى الدوام تجده يطلب ما لا يملك، رغم أن ذلك من فرض المحال وأنه مجرّد خيال، ومع هذا يبقى مرجل الشهوة مشتعلا، وأن الإنسان لم يصل بعد إلى أمنيته. وهكذا بالنسبة إلى القوة الغضبية فإنها قد خلقت في الإنسان في صورة يملك الرقاب بشكل مطلق في مملكة ما، لذهب إلى مملكة أخرى لم يسيطر عليها بعد، بل إن كلّ ما يحصل عليه تتزايد فيه هذه القوة. وعلى كل منكر ـ لهذه الحقيقة ـ أن يراجع حاله وحال أهل هذا العالم، كالسلاطين، والمتمولين، وأصحاب القوة والجاه، وحينذاك سيصدق كلامنا هذا.

إذاً، فالإنسان هو ـ على الدوام عاشق ـ لما لا يملك ولما ليس في يده. وهذه فطرة أثبتها المشايخ العظام وحكماء الإسلام الكبار خصوصا أستاذنا وشيخنا في المعارف الإلهية سماحة الكامل «ميرزا محمد علي شاه آبادي» روحي له الفداء، وأثبتوا بها الكثير من المعارف الإلهية وهي لا ترتبط بموضوعنا المبحوث عنه.

وعلى أي حال؛ فلو وصل الإنسان إلى أهدافه، فكم يدوم تمتعه واستفادته

منها؟ وإلى متى تبقى قوى شبابه؟

عندما ينقضي ربيع العمر، ويحل خريفه، تذهب القوة من الأعضاء، وتتعطل الحاسة الذائقة، وتتعطل العين والأذن وحاسة اللمس وباقي الحواس، وتصبح اللذات ـ عموما ـ ناقصة أو تفني نهائيا. وتهجم الأمراض المختلفة، فلا تستطيع أجهزة الهضم والجذب والدفع والتنفس أن تؤدي عملها بشكل صحيح. ولا يبقى للإنسان، شيء سوى أنات التأوه الباردة والقلب المملوء بالألم والحسرة والندم.

إذاً؛ فمدّة استفادة الإنسان من تلك القوى الجسمانية لا تتجاوز الثلاثين أو الأربعين عاما بالنسبة إلى أقوياء البنية والأصحاء السالمين وهي فترة ما بعد فهم الإنسان وتمييزه الحسن من القبيح إلى زمن تعطيل القوى أو نقصانها، وهذا يصح إذا لم يصطدم بالأمراض والمشاكل الأخرى التي نراها يوميا ونحن عنها غافلون.

وأفترض لكم بصورة عاجلة، فرضية خيالية (وهذا أيضا ليس له واقع) أفترض لكم عمرا هو مائة وخمسون عاما، مع توافر جميع أسباب الشهوة والغضب والشيطنة، وأفترض بأنه لا يعترضكم أي شيء غير مرغوب فيه، ولا يحدث أي شيء يخالف هد


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق