الإمام الخامنئي أنموذج القائد البصير

2017-10-19
0
290

 بسم الله الرحمن الرحيم

حفلت مسيرة الفكر الإنساني بقامات كبيرة ومؤثرة في محطاتها وحلقاتها، حيث شكلت هذه القامات الشامخة منعطفًا أساسيا في مفاصل المشروع الإسلامي المعاصر وتنميته وتصعيده إلى مواقع الريادة والاقتدار، استمدت هذه القامات قيمتها من خصائصها وأدوارها التي جعلتها ذات وزن بارز في العالم الإسلامي وبنيته الفكرية والحركية. وهذه القامات الحية لا يمكن تلمس ملامحها واستكشاف عناصرها بصورة شاملة ودقيقة ما لم يتم قراءتها في ضمن سياقها الزمكاني الذي جاءت فيه، والملابسات المحيطة بها التي رافقتها وساهمت في تظهير مكوناتها وميزاتها، فاليوم ثمة دراسات فكرية سعت إلى تناول الشخصيات الاستثنائية العظيمة بطريقة شاملة، لكنها لم تستطع أن تستوعبها من جميع أبعادها وجوانبها؛ لأنها فصلتها عن ظروفها الفكرية والاجتماعية والسياسية التي لعبت دورًا رئيسا في تكوينها وصيرورتها وتميزها، فكانت القراءة لها في هذا السياق قراءة مبتسرة فارغة من معرفة محتواها الحقيقي العميق الذي يشكل روحها وشواخصها، وهذا ما تفرضه قواعد القراءة التاريخية لظواهر المجتمع البشري وتجاربه المؤثرة، من الإحاطة بسياقاتها وتحدياتها ورهاناتها المتنوعة؛ من أجل استجلاء صورتها واستيضاحها بشكل كلي متكامل.

الإمام الخامنئي من الشخصيات الإسلامية الكبيرة التي تميزت بخصائص ومميزات كفيلة بأن تجعلها مفترقا واضحا في مسيرة الوعي والفكر والنهوض، فهي تعبر في معادلات المرحلة عن خط إسلامي أصيل، قادر على استيعاب الهموم الإسلامية الكبرى والعيش في ظلها، والانتقال بها من مواقع الانزواء والانفعال والتلقي إلى مواقع الفعل والتأثير والإبداع والتقدم؛ لأنه يؤمن أن الفكر الإسلامي لا يتمترس دوره فقط في إطار التحصين الديني والروحي والثقافي لأبناء أمته، فهذا يجعله متقوقعا في منطقة الدفاع عن الشريعة والقيم، بل عليه يذهب عميقا إلى الوفاء بمقولة الإسلام مشروع الإنسان والمجتمع والحياة، ليعيش دائما هاجس التفكير في كيفيات تحويل المشروع الديني من الدفاع والتحصين إلى موقع البناء والسيادة للعالم بوصفه يملك مشروعا إلهيا يمكنه النهوض بالإنسانية في سبيل كمالها وتألقها، الأمر الذي رسم من شخصيته بفعل هذه الهموم والمتبنيات تجربةً حية رائدة، نستطيع القول أنها: ليست تجربة في إطار قائد مجتمعي عام، ولا تجربة في إطار قائد دولة سياسية، بل هي تجربة قائد ملهمة وجذابة، ترسم للأمة كل الأمة طريقا متكاملا للنهوض الإسلامي المعاصر، بعقل اجتهادي عميق، يتطلع إلى الأهداف الكلية للدين، ويجترح الرؤى والأفكار؛ ويشّكل المنعطفات والتحولات؛ للوصول إلى موقع الحضارة  الإسلامية الحية التي تطرح الدين بوصفه بديلا صحيحًا عن كل القيم البشرية السائدة في عالم الحياة .

فالقراءة الموضوعية الدقيقة لظاهرة الإمام الخامنئي الكبيرة والشامخة والحافلة بالتطوير الإسلامي والهم الإنساني والسعي الحضاري في سياق نجاحاتها المستمرة في حراسة مكتسبات الثورة، وحفظ هوية النظام الديني، والإبداع المتواصل في إثارة حالة الوعي الإسلامي لدى الأمم والمجتمعات، مع ما تمر به ساحات الصراع المتنوعة من تحديات ومواجهات سياسية وثقافية وأيديولوجية مع القوى الاستكبارية والمادية التي بدأت تتراجع أمام عز الإسلام وقوته وقدرته، تفضي إلى الإيمان بقيادته وقدرتها الفاعلة على تحويل التهديدات إلى فرص خادمة حفظ المشروع الإلهي والرباني من الاختراق والانحراف والضياع، وتقدم مسيرته الإسلامية للانتقال من مرحلة الدولة إلى مرحلة الأمة والحضارة هذا من جهة. ومن جهة أخرى تؤكد على صوابية الأيديولوجية الفكرية التي تؤمن بها النظرية الإسلامية في حاجة هندسة الحياة والمجتمع وإيصالها إلى الكمال والجمال إلى قيادة ربانية حية تشكل امتدادًا واعيا للإمامة الإلهية في قيمها ورسالتها وأغراضها، ويكون الالتزام بها والسير في ظل توجيهاتها .

واحدة من التحديات البارزة التي عصفت بالمجتمع الإسلامي في إيران، في ظل المساعي الدؤوبة والمستمرة التي يقوم بها مشروع الهيمنة الاستكباري في سياق المحاولات المتنوعة في تقويض المشروع الإسلامي والحد من تأثيره وتوسعه وانتشاره، وفي الوقت نفسه أيضا تكشف عن قامة الإمام الخامنئي ومميزات ظاهرته القيادية الواعية في فهم أدوات الصراع وآلياته وسياقاته وأهدافه، وقدراته الفكرية والإدارية العميقة في التخطيط والاستشراف، هي ما تسمى بالفتنة الخضراء التي اندلعت عقب الانتخابات الرئاسية عام ( 2009 م). هذه الفتنة – كما يشير الإمام الخامنئي في ضمن قراءته الدقيقة والصائبة لإرهاصات ومؤشرات  ومنويات القوى الأجنبية تجاه المحور الإسلامي -  هي ليست وليدة اللحظة، ولا نتاج المرحلة، بل العدو الغربي كان يخطط لها من سنين متعددة في ضمن استهدافه الشامل للثورة والشعب والنظام والدولة، وهذا الكتاب الذي يديك أيها القارئ العزيز، هو عبارة عن خطابات للسيد القائد جاءت في أيام تحديات هذه الفتنة الحساسة، كحلقة من مسلسل توجيهاته التوعوية المتواصلة للمجتمع الإيراني والأمة الإسلامية في فهم الإسلام ومقاصده وأهدافه في كل ميادين الحياة. هذا الكتاب يحوي في طيات كلماته وتضاعيف صفحاته على شيء من معالم الوعي الاستراتيجي الدقيق والكبير لدى الإمام الخامنئي تجاه تنوعات دور العدو التخريبي ضد الثورة الإسلامية، والنظام الإسلامي، والأمة الإسلامية، وسيلاحظ القارئ أن هذا الكتاب على تعدد الموضوعات التي يتناولها الإمام القائد، لكنها تلتقي أغلبها – إن لم يكن كلها - في  مفصل حيوي مهم في إدراك مجريات الساحة المعاصرة وفرز معادلاتها وأطرافها وتياراتها، ألا وهو البصيرة.

الإمام القائد يؤكد بشكل متكرر ومضاعف على أهمية البصيرة ودورها الأساسي في التعامل مع تحديات الحياة وفتنها وتقلباتها، خصوصا في هذه المرحلة الحساسة التي انتقل فيها العدو الاستكباري من أدوات الحرب العسكرية الخشنة في محاولة إلحاق الخسائر والهزائم بالجبهة الإسلامية الحقة، إلى الحرب الناعمة بأشكالها المختلفة الثقافية، والإعلامية والنفسية، فهي حرب لا تخترق الخنادق الحدودية المادية، بل تحطم الهوية المعنوية للإنسان الإسلامي من الإيمان، والوعي، والهمة، والعزيمة. وهذا التأكيد الشديد من الإمام القائد على خصوصية البصيرة في الشخصية الإسلامية  الرسالية والفاعلة، وصل إلى حد الاقتران الأكيد بين الإمام القائد والبصيرة، حتى بات نموذجًا ناصعا وواضحا (( للقائد البصير )) الذي يلهم أتباعه ومقلديه ومحبيه الوعي والإيمان والاستقامة ..

البصيرة ليست هي مجرد عملية تأمل فكرية فقط؛ لأن هذا سطح بسيط من سطوحها، بل هي أبعد غورًا من ذلك، أي إنها هي : تبدأ من فهم الدين في بعده التوحيدي بعدُا واعيا، يتخطى الجزئيات والقشور، ليصل إلى حقيقة الدين ومقاصده تجاه الغيب والوجود والإنسان، ثم ينزل بهذه الرؤية الروحية العميقة إلى ميدان الحياة، ليصوغ بها رؤى إسلامية تجاه الأطر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وفق أهداف القيم الكبرى، ثم يخوض بهذا السلاح المعرفي النافذ، ساحة الأحداث والتطورات والمواجهات، ليشخص حينها التحديات الحقيقية المتنوعة، ويحدد العدو الأساسي، وطريقة تفكيره وتخطيطه، ولمحات بصره، ودلالات موقفه، وأبعاد حركته، وماهية الآليات المناسبة لمواجهته، وما إلى ذلك من عناصر البصيرة وأدواتها ..

فهذا التعريف العميق للبصيرة من الإمام القائد، هو نحو صياغة لركن ركين في معركة الحياة والوجود، بمقدار ما يكون الإنسان الثوري متحليًا بها، سيكون قادرًا على إدارة المعركة والتحكم في مسارها، فهي كشافة روحية للحقائق والظروف والتطورات .

نأمل من القارئ العزيز أن يعيش مع هذه الكلمات الواعية النيرة، رحلةً فكرية شيقة، تكون فيها استفادة جادة من بعض التحديات الحساسة التي مرت بها المجتمعات الإسلامية، إلى جانب استلهام الأدوات الضرورية المهمة في كيفية التعامل معها ومع أحداثها ومآلاتها، على سبيل تعزيز قوة الأمة وعزتها وسيادتها.

الشيخ جـ. الحجازي


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق