لقد بقيت كلمات السيد حسن المدرس على مدى قرن من الزمن مصدر إشعاع، ينير أفكار اجيال وأجيال من المؤمنين، ويرسخ في الأذهان حتمية إقامة الحكومة الإسلامية، ورفع الظلم والاستبداد عن الناس، ولاتزال مقولته الشهيرة: "ديانتنا عين سياستنا وسياستنا عين ديانتنا" خالدة تعكس جوهرة العقيدة. انها كلمات عالم دين في بداية القرن العشرين، وفي فترة شهدت ذروة الصراع بين الصليبية والإسلام، وذروة تنامي الفكرة القومية التي أشاعوها بين المسلمين. وشهيدنا المدرس حلقة الوصل الكبيرة بين ثورات المرجعية السابقة، كثورتي التنباك، والدستور (المشروطة) في إيران، وثورة العشرين في العراق، وبين الحركات والانتفاضات والثورات الإسلامية العلمائية في السنوات التي تلت عصره، والتي كانت الجمهورية الإسلامية المباركة في إيران إحدى ثمارها. فمن هو السيد حسن المدرس؟ 

 

ولادته ونشأته

هو السيد حسن بن السيد إسماعيل بن المير عبدالباقي الطباطبائي المعروف بالمدرس، ويعود نسبه إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (ع).

ولد في قرية "سراي كجو" من توابع مدينة "اردستان" في حدود سنة 1287هــ (1870م) ونشأ على يد والده، الذي كان من افاضل الخطباء ومبلغي الأحكام والشريعة المقدسة. هاجر به جده السيد عبد الباقي إلى "قمشة" وهو ابن ست سنين، ليتكفل تربيته، ولما بلغ الرابعة عشرة من عمره توفي جده. فنزل اصفهان بوصية منه لإكمال دراسته، وتوفي والده وعمره احدى وعشرون سنة، فمكث في اصفهان ثلاث عشرة سنة ودرس على يد أغلب علمائها في شتى العلوم: العربية والفقه والاصول والفلسفة و… وأجلّ أساتذته في العربية هو الميرزا عبدالعلي النحوي، وتلقى الفلسفة عن الحكيمين المعروفين الشيخ جهانگير خان القشقاني، والمولى محمد علي، وبلغ في العلوم الدينية رتبة عالية. ثم هاجر إلى النجف الأشرف في حدود سنة 1314هــ (1896م) وتتلمذ على يد الكثير من علمائها. إلا أن جل استفادته كانت من السيد محمد كاظم اليزدي، والشيخ محمد كاظم الخراساني، والمولى علي النهاوندي، ومكث في العراق سبع سنين ثم عاد إلى اصفهان في حدود سنة 1321هــ (1903م) فأخذ يدرّس الفقه والاصول في بعض مدارسها، ثم انتقل إلى طهران فتولى التدريس في مدرسة "سبهسالار" المعروفة، وأثناء الحركة الدستورية "المشروطة" اشتدت به حماسته الدينية والوطنية ودفعته إلى خوض غمار السياسية فدخل معترك العمل السياسي بجدارة وبقي ركناً للشعب والإسلام، يقارع الاستبداد والدكتاتورية التي كان يمثلها "رضا خان". 

 

حياته السياسية

تتميز حياة السيد حسن المدرس بفترتين مختلفتين، الأولى: فترة العمل الفكري والدراسي، والثانية: فترة العمل السياسي، الذي أولاه السيد جل وقته، وقد برع فيه إلى الحد الذي يعتبره أكثر المؤرخين الايرانيين من نوادر وأفذاذ تاريخ إيران السياسي. وشخصيته جمعت بين التقوى والعلم والبساطة من جهة، والقدرة على قراءة المستقبل والوضع السياسي من جهة ثانية.

في الفترة الأولى، درس السيد المدرس على يد أساطين الحوزة العلمية في إيران والعراق، وكانت حصيلة ذلك انه عُرف كأحد المجتهدين الكبار، والذين يمكن الرجوع إليهم في مختلف العلوم والقضايا الدينية، وبعد مرحلة الدراسة الطويلة رجع السيد إلى أصفهان مدرساً لعلوم أهل البيت (ع). وإلى جانب التدريس، أنجز عدة مؤلفات، أبرزها:

 

1 ــ حاشية على الكفاية في الأصول.

 2 ــ رسالة في العقود.

 3 ــ رسالة في الشرط المتأخر.

 4 ــ بحث في لزوم القبض في الموقوفات.

 وله مخطوطات عديدة، منها: رسالة في حجّية الظن، وأخرى في الاستصحاب، وثالثة في شرائط الإمام والمأموم.

 وفي الفترة الثانية من عمره الشريف التي بدأت أيام انبثاق الحركة الدستورية (1906م) كان السيد أحد أقطاب الحركة في اصفهان، وانتخب في الدورة الثانية للمجلس 1327هــ (1909م) ضمن مجموعة العلماء المؤيدين من قبل المراجع الكبار في النجف الأشرف للإشراف على الدستور، الذي ينص على إشراف خمسة من الفقهاء على قوانين المجلس لضمان مطابقتها للشريعة المقدسة.

 لقد كان دخوله إلى ساحة الصراع السياسي في العاصمة طهران، السبب الذي عرف الناس بقدرته وشجاعته وصلابة مواقفه السياسية، ممّا أدى إلى انتخابه من قبل أهالي طهران في الدورة الثالثة للمجلس.

 وحول شخصية المدرس، يقول المؤرخ الإيراني حسين مكي: "… كان رئيس كتلة الأقلّية، السيد حسن المدرس، الذي يعد من الشخصيات التي ليس فقط لا يمكن قياسها مع سائر رجال السياسة الإيرانيين، بل انه يعد من الأفذاذ، بسبب خصوصياته الأخلاقية والسياسية؛ فالمدرس له نفوذ وشعبية سياسية ودينية بين جميع فئات الشعب الإيراني… ويعد من نوادر التاريخ الإيراني في فهمه وذكائه وفطنته وسرعة بديهيته، وكذلك حسه السياسي وشجاعته وصراحة لسانه…".

 وفي منتصف الدورة الثالثة للمجلس، بدأت الحرب العالمية الأولى (1914م)، وقامت القوات الروسية من الشمال، والإنجليزية من الجنوب، باحتلال الأراضي الإيرانية، مما دعى القوات الوطنية إلى أن تهاجر إلى قم، ومنها إلى غرب إيران، وكان السيد المدرس يمثل القيادة العلمائية لذلك الجمع. وفي مدينة كرمانشاه اجتمع الوطنيون وشكلوا حكومة مستقلة مؤقتة برئاسة "نظام السلطة" (1916م)، كان السيد فيها وزيراً للعدل والأوقاف، وقد استمرت وزارته حتى احتلال العراق بشكل كامل من قبل الانجليز وتراجع القوات العثمانية.. عند ذاك هاجر الوطنيون الإيرانيون إلى تركيا. وهناك التقى السيد المدرس بالسلطان محمد الخامس ورئيس الوزراء والوزراء الأتراك. ودارت بينهم مداولات عديدة، حول توحيد الجهاد والكفاح ضد الغزاة المستعمرين الانجليز.

 وفي الدورة الرابعة ترأس السيد الأغلبية في المجلس، ولعب دوراً بارزاً في اسقاط معاهدة (1919م)، وكذلك اسقاط حكومة "وثوق الدولة" نفسها، الأمر الذي جعل الانجليز وعملاءهم في الداخل يوجهون رؤوس حرابهم نحوه لإسقاطه، ومن ثم السيطرة على مقدرات الشعب الإيراني المسلم.

 وفي الدورة الخامسة للمجلس وبسبب دخول عدد كبير من النواب الذين فُرضوا على الشعب بواسطة سلطة "رضا خان"، الذي كان وزيراً للحرب ــ آنذاك ــ، فقد مثل السيد المدرس رئاسة كتلة الأقلية، وفي هذه الفترة حصل "رضا خان" على موافقة المجلس في تعيينه رئيساً للوزراء وقائداً عاماً للجيش. وفي هذه الفترة أيضاً استطاع السيد المدرس بمساعدة الوطنيين وأبناء الشعب من اسقاط الدعوة إلى الجمهورية التي كان "رضا خان" يريد اقامتها.

 يقول السيد المدرس في هذا الصدد: "إنني لا أعارض قيام الجمهورية؛ فالجمهورية أقرب إلى النظام الإسلامي في صدر الإسلام من الملكية، ولكنني أعارض قيام جمهورية تكون وسيلة بيد هؤلاء المستبدّين، لظلم الشعب… هذه الجمهورية التي يريدها الانجليز، لا الشعب".

 وفي هذه الدورة تحجم دور القوى الوطنية بشكل ملحوظ، وأخذ الدكتاتور "رضا خان" يقمع أي مقاومة داخلية، وخاصة من جانب الأقلية في المجلس، وذلك تمهيداً لإقامة امبراطوريته، وكان له ما أراد؛ فقبل انتهاء الدورة الخامسة للمجلس تم إقرار قانون يقضي بتغيير السلالة الملكية (القاجارية)، على الرغم من مقاومة الوطنيين، وعلى رأسهم السيد المدرس وذلك بسبب الأغلبية التي حصل عليها "رضا خان" في المجلس بالتهديد وشراء الضمائر.

 وفي الدورة السادسة تم تنصيب "رضا خان" ملكاً على إيران من قبل مجلس المؤسسين الذي تشكل آنذاك.

 وعلى الرغم من اختلاف هاتين الفترتين من حياة السيد المدرس إلا أنه يبقى هناك أمر مشترك بينهما، هو علاقة السيد المدرس (رحمه الله) بالناس، كل الناس وعلى اختلاف طبقاتهم؛ فقد كان بيته محلاً ومنزلاً لكل محتاج من صغير إلى كبير ومن فقير إلى وزير. ومما يذكر أن السيد خلال فترة وجوده في النجف الأشرف ــ 7 سنوات ــ لم يستلم أي راتب من الحوزة لأمور عيشه، وكان مصدر رزقه هو الطبابة، فقد كان السيد المدرس (رحمه الله) ملماً بالطب القديم، ويداوي به

 

سجاياه الأخلاقية ومكانته

 كان السيد المدرس (رحمه الله) مثالاً للقائد الذي يريد إنقاذ مجتمع يعاني القهر والحرمان، ودولة تعاني من السيطرة الأجنبية، وقد كانت في المدرس ثلاث خصال، لم تكن في السياسيين الذين عاصرهم، هي: الزهد والشجاعة والصراحة.

 أمّا زهده فقد. عاش عيشة الفقراء على الرغم من تمكنه، وكان لا ينفق على نفسه إلا ثلث مرتبة الشهري من المجلس، والذي يصل إلى (100) تومان آنذاك؛ فالكل يجمع على أن السيد (رحمه الله) لم يتغير بعد انتقاله إلى طهران ودخوله ميدان العمل السياسي، وهو الذي يقول في إحدى كلماته بالمجلس: "أتحدّى ادّعاء أي شخص أو وزارة بأني تقدمت بطلب أو حاجة في فترة وجودي هنا". فقد كان زاهداً في حطام الدنيا الزائلة، وهذا ما أكسبه قوة وشجاعة، جعلت الآخرين يهابونه ويخافون منه. ويصف "حسين مكي" المؤرخ الإيراني بيت السيد وحياته، فيقول: "في هذه الأيام كلف الشاه السيد المدرس بمسؤولية الاشراف على مدرسة "سبهسالار" والتدريس فيها، ورفع مستواها العلمي، وفي مقابل اشرافه وتدريسه فيها كان يحصل على قدر لا بأس به من المال، ولكنه لم يكن يستفيد من ذلك المال لحاجته الشخصية، لذلك لم تتغير حياته الشخصية أبداً، وبقي على ذلك البساط، والسجادة القديمة، ونفس الكوز، والاناء و…؛ تلك الأشياء كانت كل أثاث بيته، وبقيت حتى النهاية هكذا.. ملابسه هي الأخرى لم تتغير. والشيء الوحيد الذي أضيف لحياته، والذي أجبر عليه بسبب كثرة زائريه، هو انه اشترى سجادة بحجم (3×4) أمتار، وكانت هذه السجادة تفرش ظهراً في السرداب، لينام عليها السيد، وعصراً في فناء الدار، ليجلس عليها ضيوفه من رجال الدولة والأعيان وذوي الحاجات، وكان يعيش مع خادمه كصديق له. يجلس إلى جانبه ويأكل معه".

 علماً ان السيد لم يكن له ولا لابنه من يقدّم لها الخدمة في البيت، فقد توفيت زوجته عندما هاجر إلى العراق وتركيا، للمشاركة في الحرب العالمية الأولى، ولم يتزوج بعدها.

 أما غرفة استقباله فكانت، وكما يصفها حسين مكي قائلاً: "كان بناؤها من الطين، وفيها سجادة صغيرة من الصوف، وفي وسطها بساط بالٍ، هذا بالاضافة إلى موقد من الطين فيه ابريقان للشاي وكوبان صغيران.. وكان في الغرفة أيضاً كيس صغير للتبغ ونارجيلة ومطفأة سجائر معدنية. وفي احدى زوايا الغرفة كان هناك كوز وإناء لشرب الماء، وكذلك إناء كبير لإبدال ماء النارجيلة.. وهذا كل ما كان في بيت السيد، ومع ذلك فقد بقي نصف الغرفة عارياً بلا فراش".

 وأما شجاعته، فإنه كان لا يخاف شيئاً، ويقول كلمة الحق ويعمل كل ما بوسعه لتحقيقها. يقول السيد محسن الأمين في ترجمة حياته: "كان عالماً، فاضلاً، جريئاً، شجاعاً، مقداماً، حتى إنه لشدة شجاعته نسب إلى التهور"!

 ولقد كان السيد، الرجل المناسب لتلك المرحلة، ولولا هذه الشجاعة والإقدام، لما استطاع الصمود أمام دكتاتورية "رضا خان" التي كان الجميع يخافها. ومن جملة مواقفه الشجاعة والجريئة أنه طلب اسيتضاح حكومة القائد العام "رضا خان"، وفي اليوم المقرر حضر "رضا خان" إلى المجلس، وقبل انعقاد المجلس وقف لكي يشاهد ويستمع إلى مرتزقته وهم يهتفون وسط الناس: "الموت للمدرس" و"يعيش رضا خان"! وفي هذه الأثناء وصل السيد المدرس، وعند دخوله المجلس استقبله المرتزقة بشعاراتهم، إلا انه ركز عصاه في الأرض واستمر بالمسير أمامهم، ولم يأبه بهم. وعندما صعد الدرجات الأولى أمام المبنى، التفت إلى الناس الواقفين وقال لهم: يجب أن تقولوا "يعيش المدرس" فأحدث بقوة كلامه وهيبته، حالة جعلت الجميع يهتفون "يعيش المدرس"، بعد ذلك توجه إلى الناس ثانية، وقال الآن اهتفوا: "الموت لرضا خان" هنا صار الناس أكثر انجذاباً للسيد، فأخذوا يهتفون بموت عدوه! وبعد هذا الانتصار، أكمل السيد صعود الدرجات الباقية، ووصل إلى الشرفة التي كان فيها "رضا خان" واقفاً يشاهد الواقعة، وأخذ السيد بتلابيب "رضا خان" ثم التفت إلى الناس وصاح بهم: "قوالوا الموت لرضا خان مئة مرة" و"يعيش المدرس مئة مرة" فهاج الناس لشجاعته واخذوا يهتفون بذلك. فاغتاض "رضا خان" بشدة وأراد الوقيعة بالسيد المدرس، إلا أن عدداً من أعضاء المجلس تدخلوا لصالح السيد وحالوا دون ذلك.

 قال عنه المجدد السيد محمد حسن الشيرازي، قائد ثورة "التنباك":

 "… هذا الذي من نسل رسول الله (ص)، له طهارة أجداده، ويحيّرني ما يملكه من ذكاء وفطنة، فقد فاق جميع رفاقه في الفقه والاصول في فترة قصيرة.. وفي القضاء تجده في كمال وأوج الصلاح والتقوى".

 ــ وقال عنه الإمام الخميني (رض) في ذكرى استشهاده:

 "رضا خان كان يخاف من المدرس، بريطانيا كانت تخاف من المدرس، الاستعمار كان يخاف من المدرس… المدرس حي مادام التاريخ حيّاً". 

 

محاولات اغتيال… ونفي

 بالاضافة إلى عمليات التشويه السياسي والإعلامي والتضييق، التي كان يتعرض لها السيد المدرس، كانت هناك محاولات جادة لتصفيته جسدياً، أو جرحه ونفيه، تعرض لها خلال عمره الشريف المليء بالمواقف الخالدة؛ فقد تعرض السيد حسن المدرس إلى محاولتي اغتيال، كانت الأولى في اصفهان على يد مرتزقة الملك القاجاري المستبد "محمد علي شاه"، الذي عارض الحركة الدستورية، وهاجم المجلس بالمدافع سنة (1908م)، وأعدام وسجن ونفى الثوار، وقد نجا السيد المدرس من تلك المحاولة ولم يصب بسوء.

 أما المحاولة الفاشلة الثانية، فكانت على أيدي مرتزقة "رضا خان"، الذي كان رئيساً للوزاراء آنذاك ــ سنة (1923م)، حيث هاجمه عشرة من المسلحين في صحن مدرسة "سبهسالار" وانهمر عليه الرصاص كالمطر، وقد نجا من هذه المحاولة أيضاً، إلا أنه أصيب بأربع رصاصات في ذراعه الأيسر وكتفه.. وعندها قال كلمته المشهورة في جوابه على برقية الدكتاتور "رضا خان"، التي بعثها إليه وهو في المستشفى: "المدرس لا يزال حياً، رغم أنوف الأعداء"!

 وكذلك تعرض السيد المدرس مرتين للاعتداء بالضرب؛ الأولى عندما اشتد الجدل في المجلس الوطني بينه وبين "محمد تدين"، الذي كان من المتحمسين لفكرة الجمهورية، ومن مرتزقة "رضا خان" في المجلس، فأحرجه السيد بكشفه عن تاريخ عمالته لبريطانيا، وانه كان ممن يريد ربط إيران بالاستعمار البريطاني بشكل كامل، من خلال معاهدة 1919م المعروفة بمعاهدة "وثوق الدولة"، والتي وقف إزاءها السيد المدرس على رأس الكتلة الوطنية، وقاد الحملة الشعبية، وحرّض العلماء في إيران والنجف على الضغط لإلغائها وعدم إقرارها في المجلس. وبعد ذلك الجدل الحاد وفي فترة الاستراحة اعتدى (حسين بهرامي) الملقب بــ"إحياء السلطنة" ــ وهو من أتباع "محمد تدين" ــ على السيد المدرس بضربة وجهها إليه مما أدى إلى استياء شديد في المجلس، وانتفاضة علمائية شعبية، أدت إلى أن يتخلى "رضا خان" عن دعواه لاقامة الجمهورية.

 والثانية كانت سنة (1923م) عندما أعلن "رضا خان" الأحكام العرفية، وأقام حصاراً شديداً على الأقلية في المجلس التي يرأسها السيد المدرس، وصارت البلاد سجناً لا يطاق، حتى انه اعتقل جميع أصحاب صحف الأقلية وأصحاب الصحف المستقلة، وأغلق دور النشر التي تصدرها، وقد مُنعت الأقلية تحت وطأة هذه الممارسات الدكتاتورية من التحدث في المجلس؛ فقدمت الأقلية طلب استيضاح الحكومة، وكان "رضا خان" يخاف ويتضايق من كلمة استيضاح، على الرغم من أن الأكثرية في المجلس هم من مرتزقته، أو ممن يخافونه؛ فقامت مجموعة من مرتزقته بالاعتداء على ثلاثة من قادة الأقلية، وهم السيد المدرس، والشاعر المعروف بــ"ملك الشعراء"، والسيد حائري زاده اليزدي، وهم خارجون من المجلس، وذلك قبل يوم من موعد الاستيضاح، ونتيجة للمشادة والضرب والصياح، سمع الناس بالحادث، فهرعوا للمكان، وهجموا على المرتزقة، وخلصوا الثلاثة من أيديهم، وقد جرح السيد المدرس والسيد حائري زاده اثر ذلك.

 كما ان السيد المدرس نفي مرتين، الأولى عندما قام "رضا خان" و"السيد ضياء الدين الطباطبائي" بانقلاب عام (1920م) الأسود والذي أمسك خلاله رضا خان بزمام السلطة بمساعدة السفارة البريطانية وعملائها، فقامت حكومة ضياء الدين المعروفة بــ(الحكومة السوداء) باعتقال ونفي الكثير من الشخصيات الوطنية والمعادية للانجليز، وكان من جملتهم السيد المدرس، حيث اعتقل، ثم نفي إلى مدينة قزوين، وبقي هناك أحد عشر شهراً حتى سقطت الحكومة السوداء، وفرّ ضياء الدين خارج البلاد، فعاد السيد إلى طهران من جديد.

 والمرة الثانية التي اعتقل وأبعد فيها عندما أصبح "رضا خان" ملك إيران المتوّج، فاعتقل السيد المدرس سنة (1928م) ثم أبعد إلى شرقي إيران، جنوب محافظة خراسان وهناك كان استشهاده

 

موقف المدرس من الدولة العثمانية

 على الرغم من أن شخصية السيد المدرس عرفت بسماتها الوطنية، وعلى الرغم من كونه عالمَ دين شيعيّاً، وان الدولة العثمانية معادية لإيران، وتختلف معها مذهبياً، إلا أن الكثير من علماء الشيعة ومجاهديهم حاربوا وبذلوا دماءهم إلى جانب اخوتهم المسلمين الاتراك ضد القوى الأجنبية (الانجليزية) الغازية، فكانت ملاحم "الشيعة" في العراق، ومحاصرة "الكوت" وثورة "النجف" "وثورة العشرين" وغيرها من الدلائل على ذلك. وكان السيد المدرس من أولئك العلماء الذين دافعوا عن الخلافة الإسلامية في أيامها الأخيرة، فهاجر لمدة سنتين خلال الحرب إلى العراق وتركيا، محارباً ومدافعاً عن الإسلام أمام الزحف البريطاني، وبعد انتهاء الحرب عاد إلى إيران. وموقفه هذا نابع من إيمانه بضرورة وحدة المسلمين أمام العدو الأجنبي، على الرغم من اختلافهم في مذاهبهم وتعدد قومياتهم

 

موقفه من الشاه والبلاط

 يعتبر السيد المدرس من اركان "ثورة الدستور"، ومن المعارضين المشهورين لحكومة "محمد علي شاه". الذي خلعته قوات الثورة عن العرش سنة (1909م) بعد سيطرتها على طهران؛ فقد كان "محمد علي شاه" دكتاتوراً مستبداً فاق جميع من سبقه من السلاطين القاجاريين، إلاّ أن ولي العهد الذي تُوّج بعده وهو السلطان "أحمد" كان مسالماً، لذلك نجد السيد المدرس، يدافع عنه أمام الذين يريدون تغيير نظام الحكم وتشكيل جمهورية على غرار جمهورية "أتاتورك" في تركيا، كما ان علاقة البلاد كانت جيدة مع العلماء ــ في تلك الفترة ــ لما للعلماء والمراجع من نفوذ وسلطة بين فئات الشعب المسلم؛ يذكر أن السيد المدرس قام ببعض المحاولات، لإرجاع الشاه أحمد من أوربا، لكي يتمكن من اضعاف الحكم العسكري، الذي يقوده "رضا خان"، ولكن "رضا خان" أوجد حالة سياسية وأمنية في إيران، جعلت الشاه ينصرف عن فكر العودة

 

موقفه من رئيس الحكومة "رضا خان"

 يقال إن أحد أسباب انقراض وزوال السلطة القاجارية، هو أن الشاه أحمد (آخر الملوك القاجاريين) كان من المعارضين لمعاهدة 1919م بين بريطانيا وإيران، ولم يصادق عليها بتاتاً.. وقد أدت معارضته، إلى جانب معارضة العلماء والقوى الوطنية والشعب، إلى سقوط حكومة رئيس الوزراء آنذاك "وثوق الدولة"، وعدم المصادقة عليها من قبل البرلمان، لذلك لم ينسَ الانجليز هذا الموقف للشاه أحمد، وسعوا لكي يجدوا له البديل الذي يستطيع حفظ مصالحهم والقضاء على المعارضة الداخلية، والتي كان العلماء على رأسها، لذلك هيأوا للمجيء بالعسكري الأمّي "رضا خان"، وحركوا عملاءهم ــ من أمثال "ضياء الدين الطباطبائي" والماسوني المعروف "محمد علي الفروغي" وغيرهم ــ لدعمه.

 كان السيد حسن المدرس يرى ذلك ويدرك خطورته جيّداً، لذلك فقد كان من أشد المعارضين لحكومة "رضا خان"، وكذلك لأشخاص عرفوا بعمالتهم للانجليز مثل "ضياء الدين الطباطبائي".. كان السيد يرى أن وجود شخص قوي في وزارة الدفاع مهم جداً، إلا أنه كان يرى ــ أيضاً ــ أن لا يتعدى هذا الشخص حدوده، ولا تسلّم له رئاسة الوزراء؛ فالسيد كان يدرك أبعاد شخصية خصمه، والحدود التي يجب أن لا تتجاوزها، ولكن الانجليز الذين دعموا "رضا خان" كانوا يريدون له أن يلعب دوراً أكبر، فطرحوا فكرة الحكم الجمهوري، على غرار ما سعوا إليه في تركيا، لضمان مصالحهم وديمومة نفوذهم واستمرار تدفق النفط من آبار الجنوب، لذلك عارض المدرس خطة الجمهورية، وبسبب موقفه هذا، واجه اعتداءات من خصومه، تلك الاعتداءات التي أوقدت نار الغضب في الشعب، وجعلته ينتفض ضد الجمهورية، حتى أجبر "رضا خان" على التخلي عنها. لذلك نشأت بين السيد المدرس و"رضا خان"، علاقة عدائية شديدة، وكان "رضا خان" يتحيّن الفرص للقضاء على السيد نهائياً

 

موقفه من الانتفاضات والحركات المحلية

 بسبب تدهور الأوضاع وعدم الأمن واستشراء الظلم والاعتداءات الأجنبية، خرجت حركات وانتفاضات شعبية في أطراف إيران تطالب بقيام دولة عادلة مستقلة تحفظ للدين والناس والوطن احترامهم واستقلالهم، كان منها حركة "الغابة" وانتفاضة "تبريز" بقيادة علماء الدين فالأولى كانت حركة مسلحة بزعامة "الميرزا كوجك خان" في منقطة "جيلان" المحاذية للحدود الروسية، والأخرى كانت حركة مسالمة بزعامة الشيخ محمد الخياباني في منطقة آذربيجان "تبريز". ومع أن الكثير يرى أن هذه الحركات والانتفاضات تضر بالوحدة الوطنية وتماسك البلاد، وانها كانت مدعومة من الخارج، إلا أن الحقيقة شيء آخر، وهو أن زعماء البلاد والمخلصين استنفدوا وسائل النصح والارشاد في اصلاح الأمور، فلم يكن أمامهم حل آخر سوى الانتفاضة والحركات ضد الظلم.

 وكان السيد حسن المدرس كزعيم ديني ووطني وقائد معروف في مقارعته للظلم يؤيد هذه الحركات والانتفاضات، لأنها قامت على أساس احقاق الحق أولاً، ثم انّها كانت تُضعف سيطرة الحكومة المستبدة ثانياً.. إلا أن المستعمرين وعملاءهم في الداخل قمعوا هذه الانتفاضات، بعد تهيئة الظروف دولياً وإقليمياً، وقد قدموا الدعم الكثير لــ"رضا خان"، لكي يقوم بهذه المهمات وذلك للقضاء عليها كمصدر خطر يهدد نفوذهم

 

استشهاده

 في احدى المشاجرات التي وقعت بين السيد حسن المدرس و"رضا خان" أيام رئاسته للوزراء، قال "رضا خان" للسيد المدرس: "… أنت محكوم بالإعدام… ويجب أن تُعدم"! ولأن السيد المدرس بقي الشوكة والمقاوم الوحيد أمام استبدادية "رضا خان"، فقد قام باعتقاله بعد فترة من اغتصابه العرش، ونفاه لمدة احدى عشرة سنة إلى منطقتي "خاف" و"كاشمر" شرقي البلاد، بمحافظة خراسان. وفي ليلة 28 رمضان سنة 1350 (1931م)، دخل على السيد في السجن مجموعة من الجلاوزة وقتلوه خنقاً داخل السجن، ثم أشاعوا أنه توفّي بالسكتة القلبية! فبقيت أحواله غامضة، حتى سقوط "رضا خان" على يد أسياده الانجليز في سنة 1941م، ونفيه إلى جزيرة موريس، وعندها انتشر الخبر بين الناس.. كان السيد المدرس قد دُفن في مدينة كاشمر التي استشهد فيها.