الاهتمام بالجوانب الروحية

2013-05-27
0
409

التاريخ: 1 فروردين 1362ش/ 6 جمادى الثانية 1403هـ.

 المكان: طهران، حسينية جماران‏

 المناسبة: عيد النيروز

 المصدر: صحيفة الإمام، ج‏17، ص: 301

 

 بسم الله الرحمن الرحيم‏

 استعراض المكاسب التي تحققت للشعب‏

 في بداية العام الجديد أتقدم بالتهاني إلى جميع السادة الحاضرين وكافة أبناء الشعب لاسيما الجنود المضحون في جبهات القتال وأسر الشهداء الأعزاء والمعاقين وذووهم. وأرجو أن يديم‏ الله تبارك وتعالى ألطافه في نصر الإسلام والمسلمين مثلما حبانا سبحانه وتعالى بالهداية إلى طريق النصر منذ انطلاقة هذه النهضة وحتى الآن.

 لقد تحدث السادة عن جانب مما تحقق في هذه الأعوام. وطبعاً ليس بالإمكان إحصاء كل ما تحقق في هذه العجالة ولا نحن قادرون على ذلك. وقد طلبت مراراً من المتصدين للأمور أن يتحدثوا إلى الشعب عن الأعمال والمشاريع التي تم انجازها على نطاق واسع، لاسيما وأنتم ترون وسائل الإعلام المغرضة وكل المنحرفين في العالم يحاولون دائماً الإيحاء إلى شعوب العالم بأن الإسلام لم ينتصر بعد وان هذه الجمهورية في طريقها إلى الزوال .. اطلعوا الشعب على ما تم انجازه حتى الآن، فمن الممكن أن تؤثر- لا سمح الله- الدعايات المغرضة على فئة من الشعب ممن هم غير مطلعين على حقيقة ما يجري.

 إن هذا المقدار الذي سمعناه من المسؤولين في مختلف المجالات، يكفي للتعرف على حجم المكاسب التي حققتها الجمهورية الإسلامية للطبقات المحرومة والمستضعفة، وهو كبير للغاية لم يتحقق نظيره طوال فترة حكم الأب والابن[1]. ففي كل مكان يذهب إليه المسؤولون يرون الناس يتحدثون عن حرمانهم حتى من أبسط مستلزمات الحياة. حتى أن النظام السابق لم يشق طريقاً صحيحاً واحداً لهؤلاء الفقراء والمحرومين، ولم يشيدوا حتى مستوصفاً واحداً في هذه الأرياف، وهي تعاني من الحرمان تماماً.

 غير أن الجمهورية الاسلامية أنجزت من الأعمال خلال هذه الفترة القصيرة، رغم كل المعضلات والمشكلات التي تواجهها على صعيد الداخل والخارج معاً، ما لم يكن متوقعاً في مثل هذه الظروف. ولكن العناية الإلهية وألطاف الحق تعالى، دفعت أبناء الشعب للعمل والبناء بحيث استطاعوا أن يحققوا الكثير.

 

السعي من أجل نشر القيم المعنوية في المجتمع‏

 إن ما عانى منه البلد على مدى سنوات طويلة ليس بوسعنا إحصاؤه. ولكن ما الذي ينبغي لنا أن نفعل؟ ما المطلوب منا أن نفعله من الآن فصاعداً؟ فحتى هذه اللحظة تحققت انتصارات باهرة، وان الذين كانوا يعيقون مسيرة الثورة في الداخل والخارج قد يئسوا وشُلت تحركاتهم وتم القضاء عليهم أو سيتم عن قريب إن شاء الله. ولكن ما الذي يجب علينا أن نفعله من الآن فصاعداً؟ إن إحدى القضايا التي تحظى بالأولوية هي قضية القيم المعنوية. لابدّ لنا من العمل على نشر القيم المعنوية في أوساط الشعب العزيز وبين المسلمين. علينا أن ندعو الناس إلى القيم المعنوية وإلى الأخلاق وإلى آداب الثقافة الإسلامية. وإن شعبنا على استعداد تام- ولله الحمد-

 للسير في هذا الطريق، وقد خطا حتى الآن خطوات مهمة في هذا المجال، غير أن الطريق طويلة، طريق القيم المعنوية من الطرق التي ينبغي للإنسان مواصلة السعي فيها طوال حياته. ربما يتصور كثيرون أن الرخاء المادي وامتلاك الثروة يوفران السعادة للإنسان، ولكنهم مخطئون.

 

الأكواخ مصدر البركة لا القصور

 يتصور الإنسان أن السعادة تتمثل في امتلاك عدد من الضياع والأراضي والأرصدة في البنوك وفي التجارة. ربما يتصور الإنسان ذلك. لكننا عندما نتأمل في واقع الحياة نرى أن السعداء هم أولئك الذين عاشوا في الأكواخ. أما هؤلاء الذين يقبعون في القصور فإنهم يفتقرون إلى السعادة. إن البركات التي انطلقت من الأكواخ لا تعرفها القصور أبداً. فقد كان لدينا كوخ في صدر الإسلام يضم أربعة أو خمسة أشخاص. إنه كوخ فاطمة الزهراء- سلام الله عليها-. وكان هذا الكوخ أكثر تواضعاً من غيره. ولكن ما هي بركاته؟ لقد ملأت بركاته بنورها العالم بأسره. إن سكنة هذا الكوخ المتواضع كانوا على درجة من المعنويات لا ترقى إليها حتى يد الملكوتيين. وفي الجانب التربوي، عمت بركاتهم بلاد المسلمين بأسرها لاسيما بلدنا .. أن الرسول الأكرم نفسه- صلى الله عليه وآله وسلم- الذي هو خير الأنام، كانت معيشته معيشة سكنة الأكواخ. كل ما كان لديه هو حجرات متواضعة، وإن هذا الرجل ذا المقام السامي انطلق نوره من هذه الحجرة المتواضعة ليسمو إلى الملك والملكوت، ووسعت تربيته العالم بأسره. رغم أنه لم يحقق ما كان يطمح إليه وستنال البشرية ذلك على يد خلفه الصالح[2] إن شاء الله حيث ستتحقق على يديه المباركتين التربية السامية بمشيئته تعالى. وإذا ما تجاوزنا هذه المعنويات، فإنكم إذا ما تأملتم في كل هذه الانجازات الفكرية والعلمية من إبداعات واختراعات واكتشافات، فلا أعتقد إنكم ستجدون من بين سكنة القصور من نجح في تحقيق ذلك.

 سكنة الأكواخ هم الذين حققوا كل هذا التقدم والتطور، وطبعاً نعني بسكنة القصور المهتمين بالفسق والفجور والمنصاعين للدنيا والمنشغلين بالمال والمنصب والمقام. إذ أن شهوة البطن لن تسمح لهذه الطبقة لأن تخوض في موضوع فكري واحد والتأمل فيه. فأصحاب الاختراعات والمؤلفات القيمة ممن أثروا المجتمع بإبداعاتهم ونتاجاتهم، كانوا من سكنة الأكواخ. ولا يخفى أن أجواء القصور تتعارض مع التربية الصحيحة ومع الجد والمثابرة والإبداع. وإذا ما بحثتم عن الناجحين منهم فستجدونهم قليلين جداً، لأن معظم المبدعين والعباقرة هم من سكنة الأكواخ.

 إننا عندما نتأمل أحياناً في المستويات التي بلغها فقهنا وفلسفتنا على صعيد مذهبنا، نجد أن الرجال الذين أثروا هذا الفقه وهذه الفلسفة، لم يكونوا من سكنة القصور وإنما كانوا من سكنة الأكواخ. فالشيخ الطوسي[3] الذي كان شعلة من الإبداع ومن أكثر الرجال قيمة في المجتمع الشيعي، لم يكن من سكنة القصور، فلو كان يقيم في القصور لما استطاع أن يثري المجتمع بكل هذه المؤلفات وهؤلاء التلاميذ. فليس بوسع الشريحة المرفهة أن تحقق مثل هذا العمل.

 وعندما ننظر إلى المتأخرين من ا لعلماء نجد (صاحب الجواهر)[4] الذي صنف مثل هذا الكتاب الذي يعجز عن تصنيفه مائة شخص، لم يكن من سكنة القصور. وحسبما يحكى فإن النجف في تلك الأيام التي ألّف فيها هذا الكتاب لم تكن تعرف (السرداب). وان أول من أدخل ظاهرة السرداب إلى النجف هو الشيخ الأنصاري[5]، هدية جاء بها من إيران إلى النجف. وإنما كان لديه من- زل متواضع، وكانت باب حجرته مفتوحاً على دهليز- حسبما يذكر-، وفي طقس النجف الحار كان يهب نسيم حار وهو منهمك في تصنيف (الجواهر). فمثل هذه الأعمال لا تتحقق على يد شخص لا يفكر بغير البطن والشهوة والمال والمنال والجاه. طبعاً ليس بوسعه ذلك. ولعلّ الكثير سمع عن حياة الشيخ الأنصاري، وما كان عليه من الزهد. فلو لم يكن في ذلك الوضع لما كان بمقدوره تربية تلامذة عظام ولما تمكن من إثراء المجتمع بتلك المؤلفات القيمة.

 

أخلاق سكنة القصور تتنافى مع ثقافة الإسلام‏

 لابدّ لنا من السعي لتخليص الشعب من أخلاق سكنة القصور. إذا أردتم الخلود لشعبكم، وإذا كنتم تتطلعون لسيادة الإسلام في مجتمعنا كما أمر الله تبارك وتعالى، فلابدّ من العمل على إقناع الشعب بنبذ الأخلاق الخاصة بسكنة القصور.

 إن أبناء هذا الشعب من سكنة الأكواخ هم الذين يمارسون اليوم نشاطهم بكل جد ومثابرة ويضحون في جبهات القتال وخلف الجبهات. ويجب أن تحافظوا على هذه الأخلاق كي يتسنى لكم مواصلة الحياة الإسلامية السليمة. القصور بحد ذاتها لا ضير فيها وإنما أخلاق‏ أصحاب القصور مضرة. فالذي لا يفكر بغير مراتع الدواب ليس بوسعه أن يكون آدمياً. والذي ينصب كل اهتمامه على الثروة والشهوة لا يمكن أن يكون مفيداً. فعندما تشيع أخلاق الجشع والاحتكار والسرقة والنصب والاحتيال، فسوف تقود إلى الانحطاط الأخلاقي. ومعظم هذه المفاسد الأخلاقية تنتقل من الطبقة المرفهة إلى الآخرين.

 فإذا ما نظرتم اليوم إلى الأماكن التي يتواجد فيها أهل العلم والمعرفة، هؤلاء الذين يعانون ويعملون من أجل الجمهورية الإسلامية، تجدونها عبارة عن أكواخ .. اذهبوا إلى حجرات المدارس الدينية وانظروا حالها وما يصدر عنها من إبداع .. اذهبوا إلى منازل علماء الإسلام وانظروا وضعها وعظمة نتاجها .. اذهبوا وانظروا في منازل أساتذة المجتمع. كما أن جميع مسؤولينا اليوم ليسوا من سكنة القصور. ففي اليوم الذي تولي حكومتنا اهتمامها للقصور والمظاهر، وفي اليوم الذي يتخلى- لا سمح الله- رئيس الجمهورية عن خُلق سكنة الأكواخ، سيكون ذلك اليوم يوم الانحطاط للحكومة ولرئيس الجمهورية وللمحيطين به. يجب أن نقرأ الفاتحة على هذا البلد في اليوم الذي يتخلق نواب الشعب بأخلاق سكنة القصور ويتخلون عن الأخلاق القيمة لسكنة الأكواخ.

 

لقد لحقت بنا أضرار كبيرة أثناء الحركة الدستورية على يد هؤلاء سكنة القصور. وكانت مجالسنا تحت هيمنة سكان القصور إلّا عدة معدودة من سكنة الأكواخ. وإن هذه العدة المعدودة استطاعت أن تحول دون الكثير من الانحرافات. ففي اليوم الذي يبدأ فيه أهل العلم يفكرون بالدنيا ومظاهرها وبهارجها، يجب أن نقرأ الفاتحة على الإسلام.

 

الاهتمام بالمعنويات وراء الحفاظ على النظام الإسلامي‏

 طالما كان أبناء الشعب يولون اهتماماً للمعنويات مثلما عليه الحال اليوم، وكان هذا التوجه المعنوي الذي نراه اليوم لدى شبابنا وهذا التحول الروحي العظيم الذي وجد لديهم حيث يشترون الشهادة بأرواحهم؛ طالما كان هذا التوجه محفوظاً، فإن الجمهورية الإسلامية ستبقى مصانة ولا يستطيع أحد أن يتعرض لها. ولكن إذا جاء اليوم الذي تسيطر فيه بهارج الدنيا على اهتمامات أبناء الشعب، ووجد الشيطان طريقه إلينا وأخذ يتحكم بنا ويوجهنا، ففي ذلك اليوم تستطيع القوى العظمى التأثير فينا وتقود بلدنا إلى التيه والضياع.

 لقد سيق هذا البلد إلى التيه والضياع عن طريق سكنة القصور دائماً. إن سلاطين الجور- الذين كانوا من سكنة القصور جميعهم تقريباً- لا يستطيعون أن يفكروا بالشعب، ليس بوسعهم أن يشعروا بمعنى الفقر، لا يتمكنون من إدراك معنى فقدان المأوى. إن هؤلاء لا يشعرون بأمثال ذلك مطلقاً. فعندما لا يشعرون بمعنى الفقر والجوع، لا يستطيعون أن يفكروا بالجياع والفقراء. بيد أن الذين نشؤوا في أوساط المجتمع وتجرعوا مرارة الفقر وأحسوا بها، هم وحدهم الذين يعملون على خدمة الفقراء والمحرومين.

 اسعوا للمحافظة على هذا الوضع بيننا جميعاً، في مجالسنا وفي مؤسساتنا الحكومية، ولدى مجاهدينا وقواتنا المسلحة، وفي السلطة القضائية .. يجب المحافظة على هذه المعنويات. حافظوا على التوجه إلى الله. إن توجه رجل نهض من الصحراء الحارقة ومن مركز الجاهلية إلى الجوانب المعنوية، جعله يستطيع تربية كل هؤلاء العظام ويوجد مثل هذه الأمة. فمثل هذه الأمور لا تأتي من الشاهنشاهية. إن راعياً[6] ينهض ويتصدى لفرعون لا يمكن أن يشبه فرعون. فلابد من تربية إنسان لا وحش نهم .. الإسلام يدعو لبناء الإنسان. الإسلام يدعو للمحافظة على الاستقلال، ولا يتحقق الاستقلال من خلال الاهتمام بالدنيا .. إن هؤلاء الذين يعملون اليوم على ضياع شعوبهم هم من سكنة القصور ولا يعرفون معنى الجوع والحرمان، لأنهم لا يهتمون بغير مصالحهم ويؤمنون بأن أميركا هي التي تحفظ مصالحهم إذا ما حافظوا على مصالحها. فأمثال هؤلاء لا يستطيعون التفكير بالشعب وباستقلاله. إن هؤلاء الذين لا يفكرون بغير تشييد القصور حتى لحيواناتهم، لا يستطيعون أن يفكروا بالشعب والفقر والحرمان الموجود في بلدانهم. ولهذا نراهم يسرقون نفط الشعب البائس ليذهب إلى جيب أميركا في الوقت الذي تعاني شعوبهم من الفقر والحرمان. إن أمثال هؤلاء يفتقرون للمشاعر الإنسانية. إن الاهتمام ببهارج الدنيا يجرد الإنسان من مشاعره وأحاسيسه الإنسانية، فيصبح مجرد حيوان يعيش وسط الناس .. احرصوا على تعزيز المعنويات بين أبناء الشعب. فبالمعنويات تستطيعون أن تحافظوا على استقلالكم وعلى حريتكم والسمو في مدارج الكمال.

 

واجب الحوزات العلمية في إعداد القضاة

 أما بالنسبة للمعضلات التي تواجهنا في الوقت الحاضر ولابدّ من إيجاد حلول لها، فيمكن أن نذكر منها مسألة القضاء. وقد تحدثت عن ذلك من قبل، ويوم أمس جاء أحد أعضاء مجلس القضاء عندي وقال: لقد أنجزنا أعمالًا كثيرة وبنحو جيد ولكننا نعاني من نقص في عدد القضاة. وأضاف: إننا بحاجة ماسة إلى 120 قاضياً من رجال الدين.

 وقد سبق لي أن دعوت الحوزات العلمية، لاسيما الحوزات الكبيرة نظير الحوزة العلمية في مدينة قم، حيث قدمت قم الكثير في هذا المجال، وحوزة اصفهان وحوزة مشهد وآذربيجان، إلى الاهتمام بهذا الأمر .. أيها السادة! إن مسألة القضاء تقع على عاتقكم، على عاتق علماء الدين، إنهم مسؤولون أمام الله. فلا يصح أن يجلس الإنسان ويتفرج والجهاز القضائي في وضع لا يستطيع أن يؤدي عمله، لا يستطيع مجلس القضاء أن يرسل قاضياً إلى كل منطقة. طبعاً القضاء الذي أوصى به الإسلام والشروط التي وضعها الإسلام والتي يجب توفرها في القاضي يمكن تحقيقها بالتدريج .. فلابدّ للحوزات العلمية من العمل على إعداد قضاة بالنحو الذي أمر به الشارع المقدس. غير أن أيدينا اليوم قاصرة عن المرتبة السامية التي أوصى بها الإسلام بشأن القاضي، ولكن هذا لا يعني أن نجلس مكتوفي الأيدي ويبقى القضاء على ما كان عليه في السابق. يجب بذل المزيد من الجهد، وعلى الحوزات أن تبذل ما في وسعها لإعداد قضاة كفوئين للالتحاق بالعمل في جهاز القضاء وعدم الاكتفاء بالتدريس. فإذا جلسنا نتفرج فمن الذي سيقوم بأعمالنا؟ من الذي يقوم بإدارة السلطة القضائية غير الحوزات العلمية؟ من الذي يمتلك القدرة على ذلك غير الحوزات؟ من الطبيعي أن نفكر بالمستقبل ونعمل على إعداد قضاة صالحين كبار، ولكن لا يسعنا أن نقف مكتوفي الأيدي الآن أمام معاناة الشعب ونعطل القضاء. يجب أن تتصدى عدة لهذا الأمر بإذن من الفقهاء. وهو واجب يقع على عاتقنا جميعاً.

 كما يجب على السلطة القضائية أن تعي تماماً بأن عملها على ارتباط بأرواح الناس وأموالهم، على ارتباط بنواميس الناس، ولابدّ من وجود أفراد صالحين نزيهين يدركون خطورة عمل القاضي وما يترتب على خطئه، وأن يتعاطوا مع هذا الأمر بدقة كبيرة. وقد تم متابعة ما ورد في البيان الذي أصدرته، (المرسوم ذي المواد الثماني)، إلّا أنه بحاجة إلى متابعة أقوى وأشد كي يتسنى تلافي الأخطاء والنواقص.

 

عدم الغفلة عن شكر الله‏

 ويحدث في كثير من الأحيان بأن نذكر موضوعاً ما وندعو إلى كذا وكذا. ففي المساء عندما تستمعون للإذاعات ترونها تردد بأن فلاناً قال كذا وكذا وهذا يعني أن الأوضاع في إيران متدهورة إلى غير ذلك من هذه الدعايات المسمومة .. فإذا تحدث القرآن عن التقوى ودعا الناس للتحلي بها فهل يعني هذا أن التقوى غير موجودة في الإسلام أصلًا؟ فالله تبارك وتعالى ينصح الرسول ويأمره بالتقوى، حيث يقول عزّ من قائل: (يا أيها النبي اتق الله)[7]. فهل يعني هذا أنه صلى الله عليه وآله يفتقر للتقوى؟ كلا.

 

وما أود الإشارة إليه هو أن من النعم الكبرى هذا الوضع الذي تعيشه إيران اليوم. إننا نعجز عن شكر هذه النعم. فالجميع اليوم وفي كافة أنحاء البلاد، يحرصون على تطبيق أحكام الإسلام. انظروا إلى صلاة الجمعة حيث تقام في البرد القارص والثلوج، وفي حر الصيف القائظ، وفي المناطق التي دمرتها الحرب مثل آبادان التي تتعرض للعدوان كل يوم. إنكم ترون مدى‏ حرص الجميع على إقامة صلاة الجمعة ومشاركة الناس فيها بكل شوق ولهفة. ماذا يعني هذا؟ وما الذي تحقق لنا؟ من الذي حقق كل هذا غير الله تبارك وتعالى؟ فالله تعالى هو الذي أنعم علينا بكل هذه النعم.

 

نحن لدينا الآن- ولله الحمد- مجلس للشورى يبعث على الفخر ويسعى لتحقيق أهداف الإسلام. عندما ننظر إلى مجلس الشورى وإلى مجلس صيانة الدستور وإلى تشكيلة الحكومة، عندما ننظر إلى السلطة القضائية، ندرك مدى النعمة التي نحن فيها والتي تستحق الشكر. حيث تتصدى فئة من أبناء الشعب ومن الناس البسطاء لإدارة البلاد وهي منهمكة في خدمة الشعب والبلد. والشعب بدوره يشكر الحكومة لأنها تعمل كل ما في وسعها من أجله. فلابدّ للشعب من شكر هذه الحكومة وتثمين جهودها، كما أن على الحكومة أن تكون في خدمة هذا الشعب وتقدر تضحياته. كما أن على الشعب تثمين جهود القوات المسلحة وهؤلاء الشباب الذين يضحون بأنفسهم من أجل الدفاع عن نواميسكم، يضحون بكل شي‏ء من أجل الذود عنكم. فلابدّ من تثمين جهودهم، غير أنه يجب أن لا نغفل عن شكر الله تعالى، وهو ما نراه في كل نواحي المجتمع الإيراني. فعندما نذهب إلى جبهات القتال نرى الشباب منهمكين في التضحية والقتال. وعندما نذهب إلى المستشفيات نجد الروح الإسلامية العالية التي يتمتع بها هؤلاء المصابون وجرحى الحرب. لا شك أنكم تتذكرون حال الجندرمة في السابق وكيف هي الآن؟ وكيف كان الجيش وكيف هو اليوم؟ ومن كان في هيئة الأركان ومن هم الآن؟ لقد تغير كل شي‏ء ولله الحمد .. فلابدّ من أن نشكر الله تعالى وأن نصون هذه النعم بأن نكون يداً واحدة.

 أيها السادة! إن العالم كلّه يعارضنا وعلينا أن نتحد ونوحد صفوفنا. فليقولوا هذا المساء في إذاعاتهم ما يشاؤون من أن الاختلافات تشتتهم. ولكن لابدّ لنا من التذكير.

 

بيان البحوث الأخلاقية وتكرارها

 إن الإنسان هو من الموضوعات المتكررة في القرآن، لأنه يريد أن يربي الإنسان. القرآن ليس تاريخاً، فلو كان تاريخاً فإن التاريخ يتحدث عن الوقائع. غير أن كتب الأخلاق تعيد وتكرر الموضوعات. فالذين يتحدثون للناس عن الأخلاق، عليهم أن يعيدوا ويكرروا كي تترسخ في أذهان الناس. إذ أن ذكر الموضوع مرة واحدة لا يكفي. ومن الملاحظات المهمة بالنسبة للقرآن الكريم، هو هذا التكرار الذي ترونه أحياناً. لكنه في الحقيقة ليس تكراراً وإنما أسلوب من أساليب بناء الإنسان. ففي كل صفحة تفتحونها ترون القرآن يدعو إلى التقوى، يدعو إلى عمل الخير، وفي صفحة أخرى تجدون قصة موسى تذكر عدة مرات وهكذا قصة إبراهيم. فالقرآن لا يريد أن يكرر القصة علينا، فذكر القصة مرة واحدة يكفي. إن معلم الأخلاق لا يستطيع‏ أن يذكر الموضوع مرة واحدة وينتهي، بل ربما يكرره في الجلسة الواحدة عشرات المرات، يعيد ويكرر حتى يستقر في الأذهان. فلابدّ لنا أن نوصي دائماً. الحوزات العلمية توصي الحكومة والشعب وتدعوهما للتقوى وللوحدة. والناس إذا ما جلسوا إلى بعضهم البعض يدعون إلى ذلك. وكذلك خطباء المنابر، ويجب أن يزيدوا من ذلك. فمجلس الشورى مطالب بالاهتمام بتربية الناس من خلال مداولاته ونقاشاته. ويجب أن تكون الحرب داخل المجلس كالحرب بين فقيهين دون أن يكون هناك حقد أو ضغينة أو خلاف. صحيح أن ثمة اختلافاً في الرأي بين الفقهاء منذ صدر الإسلام وحتى الآن، فلو لم تتلاقح الأفكار والآراء لما كان لدينا فقهاء بهذه القوة. لابدّ من تلاقح الأفكار. ففي بعض الحوزات التي عاصرناها كانت دروس الحوزة بما يشبه الحرب. حيث يطرح الأستاذ فكرة ويقف الطالب ويذكر رأيه، فهذا يقول وذاك يرد وكان الآخرون يستفيدون من هذا النقاش. وهكذا مجلس الشورى يجب أن تكون مداولاته ونقاشاته بهذا النحو. فليس هناك خصام وإنما مباحثة علمية وأخلاقية، ويجب أن يعلّموا الناس الأخلاق من خلالها.

 

اتحاد الشعب ودعمه رهن خدمات المسؤولين‏

 وهكذا، فطالما كنا منسجمين فيما بيننا، ونشد على أيدي بعضنا البعض ونقرأ دعاء الوحدة، فنحن إذاً موجودون. ولكن سيتم القضاء علينا ونفنى إذا ما اختلفنا وتشتت هذه الأيدي وأساء بعضنا الظن بالبعض الآخر. غير أننا اليوم- ولله الحمد- شعب متكاتف ومتآزر وليس بوسع أحد أن يلحق الضرر به. فالجميع اليوم متآخون متضامنون يساعد بعضنا البعض الآخر، الحوزات تساعد الحكومة، تقدم الدعم للقوة القضائية، للمجلس، والمجلس بدوره يساعد الحوزات، والحكومة تدعم الجميع. كما أن الحكومة بحاجة إلى الدعم والمساندة، فهي غير قادرة على تحمل عب‏ء المسؤولية وحدها. وهذه قضية واضحة، فلو لم يكن دعم الشعب ولم تكن مساندة فئات الشعب بأسرها، لما كان بالإمكان انجاز ما أمكن انجازه. فالذي حقق لكم النصر حتى الآن هو الشعب الذي يقف إلى جانبكم ويدعمكم. وإن الله تبارك وتعالى هيأ مثل هذا الشعب ليكون دعماً لكم. فعندما تعملون جيداً من أجل الشعب، فالشعب أيضاً لا يتردد عن دعمكم. عندما تعمل الحكومة من أجل الشعب لن يتردد الشعب عن دعمها .. عندما يعمل المجلس من أجل الشعب، فإن الشعب يقف إلى جانبه ويدعمه .. الجميع يتحلى بحسن النية من أجل خدمة الجميع. وليعلم الجميع أن هذه الخدمة عبادة وقلما هناك عبادة بهذه العظمة ..

 إننا مطالبون اليوم، ومن أجل الحفاظ على الإسلام، أن نصفّي النوايا ونتخلص من التوتر تجاه بعضنا البعض، وعلينا أن نكون معاً من أجل الله تعالى. فإذا ما تحقق ذلك فستكونون في‏ مأمن من كيد الأعداء، وسينتشر الإسلام في العالم بأسره. وها أنا ذا أقول لكم بأنه إذا ما تعرض الإسلام- لا سمح الله- في إيران إلى نكسة فإنه سيتعرض إلى انتكاسات في مختلف أنحاء العالم، واعلموا أنه سوف لا يتمكن من استرجاع مجده لسنوات طوال. إن ثمة واجباً عظيماً يقع على عاتقنا جميعاً وهو أسمى من كل الواجبات، وهو الحفاظ على الإسلام في إيران، وإن ذلك مرهون بوحدتكم، وحدة رجال الدين مع الشعب، الشعب مع رجال الدين، والقوات المسلحة مع الحكومة، والجميع معاً. فعندما تتكاتف أيادينا وتصبح (يد واحدة على من سواه)[8]، فإذا أصبحنا يداً واحدة على من سوانا، فلن يتمكن أحد أن يلحق الضرر بنا. فبفضل هذا الوضع الذي نحن فيه ليس بوسع أحد أن يدبر انقلاباً في هذا البلد. ولكن إذا ما وجد الاختلاف طريقه إلى صفوفكم، فاعلموا بأن هؤلاء الشياطين الجالسين في الخارج يتربصون بكم وينتهزون الفرصة للانقضاض عليكم. ونحن نأمل أن تتم المحافظة على هذه الوحدة وأن تتعزز أكثر فأكثر في السنة الجديدة. وبفضل هذه الوحدة نعمل على ترسيح معنوياتنا وكذلك مادياتنا، ونضع حداً لهموم ومعاناة الفقراء والمحرومين والمشردين.

 

الاهتمام بالفقراء والمحرومين‏

 وإني آمل من أصحاب الثروة، من الذين يملكون منازل كثيرة، مساعدة الفقراء والمحتاجين. فلا يتصوروا أن سعادتهم في هذه الثروة. إن شخصاً يملك القليل ربما يتمتع بالحياة المادية أكثر من ذلك الذي لديه مائة قصر يفكر ليل نهار في كيفية المحافظة عليها. انه لا يستطيع أن يتذوق طعم الحياة. فربما رأيتم أحياناً في ما يعرض في الأفلام مثلاً، أن مائدة طويلة عريضة فيها مختلف أنواع الطعام وما لذّ وطاب، غير أن الجالس إليها لا يرغب في مدّ يده، ليس لأنه غير جائع وإنما لأنه لا يرغب أصلًا، ليس لديه رغبة في الأكل. ولكن قد نرى درويشاً عندما يجد رغيفاً يأكله يلتذ به أكثر من ذلك الذي لديه مائة قصر ولا يستطيع الاستفادة منها. فاللذة ليست بما يملك الإنسان وإنما هي إحساس داخل الإنسان لا يتحقق إلّا بالتوجه إلى الله والثقة بالله. فهل تتصورون أن الرئيس الأميركي أو رئيس الاتحاد السوفيتي ليس لديهما هم الآن؟ إن الاضطراب الذي يعيشانه ربما لا يوجد لدى الآخرين. فكل واحد منهما يريد أن يبتلع الآخر .. لا أدري هل سمعتم بأن الذئاب عندما تريد أن تنام- جمع من الذئاب- فإنها تنام وجهاً لوجه، أي تشكل دائرة في نومها. فأي واحد منها لا يدير ظهره للآخر لأنه يخاف أن يُقضى عليه. وهذا هو حال القوى العظمى. فأميركا تفكر في تدمير الاتحاد السوفيتي وتدهور أوضاعه، وهذا أيضاً يفكر بالشيء نفسه بالنسبة لخصمه، وكلاهما يتنازعان بشأن الأسلحة الذرية.

 فلابدّ لنا من التفكير بالمحافظة على أنفسنا في هذا الوضع المضطرب الذي يعصف بالعالم. وإن الحفاظ على أنفسنا يكمن في التوجه إلى الإسلام والتمسك بأحكامه، والعمل على تحسين أوضاع الفقراء وهؤلاء المتفانين في خدمة هذا الشعب. على الحكومة أن تفكر بذلك وعلى الشعب أن يقدم الدعم اللازم لها. وإني أدعو أصحاب الثروة والمرفهين للاهتمام قليلًا بالفقراء ومساعدتهم قدر المستطاع في المسكن والعمل. وإني آمل أن لا نحتاج إلى مثل هذه الدعوة وأن يبادر الناس من تلقاء أنفسهم ويحرصون على خدمة الفقراء والمحرومين، وتوفير مستلزمات حياة حرة كريمة لهم تغنيهم عن الفقر والعوز.

 وفقكم الله تعالى جميعاً، وجعل هذه السنة مباركة عليكم وعلى شعبنا العزيز وكافة المسلمين والشعوب الرازحة تحت الأسر.

 

والسلام عليكم ورحمة الله‏

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

[1] رضا شاه ومحمد رضا بهلوي.

 

[2] الإمام المهدي الموعود الحجة بن الحسن(ع).

 

 [3] محمد بن الحسن الطوسي، من كبار فقهاء الشيعة والذي اشتهر بشيخ الطائفة. توفى في أواسط القرن الخامس الهجري في مدينة النجف الأشرف بالعراق.

 

[4] محمد حسن النجفي، من كبار فقهاء الشيعة، ألّف في القرن الثالث عشر الهجري موسوعته الفقهية الشهيرة« جواهر الكلام». توفى في النجف سنة 1267 للهجرة.

 

[5] مرتضى الأنصاري، المعروف بالشيخ الأعظم، من كبار فقهاء الشيعة وأن مؤلفاته الفقهية والأصولية لازالت تدرس حتى يومنا هذا في الحوزات العلمية. توفى في النجف سنة 1282 للهجرة.

 

[6] نبي الله موسى (ع).

 

[7] سورة الأحزاب، الآية: 1.

 

 [8] بحار الأنوار، ج 28، ص 104.

 


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق