الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)

2007-08-23

 

المقام السامي

تناولنا في ما مرّ طريقة تعامل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع ولده الحسن السبط عليه السلام، وكيف أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يهيّئ الأمة ويوجّه أنظارها إلى الدور الذي سوف يضطلع به الإمام عليه السلام باعتباره وصيّاً وإماماً بعد أبيه أمير المؤمنين عليه السلام؛ فكان صلى الله عليه وآله وسلم يبيّن للأمة ذلك المقام السامي للإمام الحسن عليه السلام، إذ إنه سوف يقودها نحو الصلاح والفلاح.. وسنذكر هنا الموارد العملية التي باشرها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه لتهيئة أذهان الأمة وتوعيتها لاتّباع الصواب ومعرفة قيادتها الربّانية:

1 «لمّا نزلت (إنّما يُريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهلَ البيت ويطهركم تطهيراً) دعا رسول الله فاطمة وعليًّا وحسناً وحسيناً في بيت أُمّ سلمة وقال: اللهم إن هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»[1].

ويلاحظ أنه صلى الله عليه وآله وسلم يأتي بالحسن والحسين عليهما السلام، وهما آنذاك صبيّين ويُدخلهما معه تحت الكساء مع أمهما وأبيهما، ثم يدعو لهم قائلاً: «اللهم هؤلاء أهل بيتي الذين وعدتني فيهم ما وعدتني، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»[2]. فتنزل آية التطهير، ليشير إلى الأمة أن لهذين الصبيّين منزلة عظيمة عند الله ورسوله، وهما مطهّران معصومان، لما يستتبع ذلك من وجوب اتّباعهما وقبول قيادتهما للأمة. ثم يكرر أمثال هذا العمل مرات ومرات أمام أنظار الناس لتأكيد هذه القضية وترسيخها في أذان المجتمع؛ فقد «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجيء كل يوم عند صلاة الفجر حتى يأتي باب علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فيقول: علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام: وعليك السلام يارسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم يأخذ بعضادتي الباب ويقول: الصلاة الصلاة يرحمكم الله (إنّما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهلَ البيت ويطهركم تطهيراً)... وقال أبو الحمراء خادم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنا شهدته يفعل ذلك»[3].

2 وفي قضية (المباهلة) المشهورة، يصطحبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أخيه الحسين وأمّه فاطمة وأبيه علي عليهم السلام ليواجه وفد (نجران)، وهم: (العاقب والسيد ومن معهما)، إذ إنهم حاججوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عيسى عليه السلام، واستنكروا عليه قوله إنه وُلد من غير أب، فنزل قوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربّك فلا تكن من الممترين * فمَنْ حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالَوْا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)[4]. «فقرأها عليهم... فلما دعاهم رسول الله إلى المباهلة، استنظروه إلى صبيحة غد من يومهم ذلك. فلمّا رجعوا إلى رجالهم، قال لهم الأسقف: انظروا محمداً في غد؛ فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته، وإن غدا بأصحابه فباهلوه... فلما كان الغد جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم آخذاً بيد علي بن أبي طالب عليه السلام، والحسن والحسين عليهم السلام بين يديه يمشيان، وفاطمة عليها السلام تمشي خلفه. وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم؛ فلمّا رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أقبل بمن معه سأل عنهم، فقيل له: هذا ابن عمّه وزوج ابنته وأحبّ الخلق إليه، وهذان ابنا بنته من علي عليه السلام، وهذه الجارية بنته فاطمة أعز الناس إليه وأقربهم إلى قلبه.

وتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجثا على ركبتيه. فقال أبو حارثة الأسقف: جثا والله كما جثا الأنبياء للمباهلة. فكعّ ولم يقدم على المباهلة! فقال السيد: ادنُ ياأبا حارثة للمباهلة. فقال: لا، إني لأرى رجلاً جريئاً على المباهلة، وأنا أخاف أن يكون صادقاً، ولئن كان صادقاً لم يحُلْ والله علينا الحول وفي الدنيا نصراني يُطعم الماء!... وروي أن الأسقف قال لهم: إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا...

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «والذي نفسي بيده، لو لاعنوني لْمُسخوا قردةً وخنازير، ولأُضرِم الوادي عليهم ناراً، ولما حال الحول على النصارى حتى يهلكوا كلهم»!

قالوا: فلمّا رجع وفد نجران، لم يلبث (السيد والعاقب) إلاّ يسيراً حتى رجعا إلى النبي، وأهدى العاقب له حلّةً وعصا وقدحاً ونعلين، وأسلما»!.[5]

إن هذه الواقعة التي جرت على أعين الناس، والتي نكص فيها وفد نجران وارتدّوا على أعقابهم خاسئين، لخير دليل على منزلة أولئك الخمسة، الذين يكون الإمام الحسن عليه السلام واحداً منهم، علماً أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أشركه عليه السلام في هذه الحادثة بأمر الله عزّوجلّ حيث قال عزّ من قائل: (فقل تعالوا ندعُ أبناءنا)، والمقصود من قوله تعالى: (أبناءنا) هنا هما الحسن والحسين عليهما السلام بإجماع المفسرين.

كل ذلك كان تمهيداً لإظهار المقام السامي لأهل البيت عليهم السلام وأحقّيتهم، وأنهم على صراط مستقيم.

3 إنه عليه السلام نال مكرمة عظيمة شهد بها القرآن الكريم في آيات سورة الدهر (522)، وذلك في قصة مشهورة؛ إذ «إن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ناس معه، فقالوا: ياأبا الحسن، لو نذرت على ولديك نذراً. فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن برئا ممّا بهما أن يصوموا ثلاثة أيام؛ فشفيا، وما معهم شيء، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصْوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً، واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل وقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلاّ الماء؛ وأصبحوا صياماً، فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك، فلمّا أصبحوا، أخذ علي بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلمّا أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع قال: ما أشدّ ما يسوؤني ما أرى بكم! فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق بطنها بظهرها وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبريل وقال: خذها يامحمد، هنّأك الله في أهل بيتك، فأقرأه السورة»[6].

ويقول العلامة الطبرسي بعد تفسيره للآية الخامسة من سورة الدهر (إن الأبرار يشربون من كأسٍ كان مزاجها كافوراً): «وقد أجمع أهل البيت عليهم السلام وموافقوهم، وكثير من مخالفيهم، أن المراد بذلك: علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام. والآية مع ما بعدها متعيَّنة فيهم (والمقصود إلى الآية 22). وأيضاً فقد انعقد الإجماع على أنهم كانوا أبراراً، وفي غيرهم خلاف».[7]

والذي يقرأ آيات سورة الدهر من (522) يعرف تلك المنزلة العظيمة والهبة الإلهية التي حظي بها الإمام الحسن عليه السلام بمعيّة أبيه وأمّه وأخيه عليهم السلام.

 

من أخلاقيات الإمام الحسن (عليه السلام)

هناك مجموعة من الأخلاقيات التي اتصف بها الإمام الحسن(عليه السلام)، ولكنّ بعض هذه الأخلاقياتِ ظهرت في حياته أكثر من غيرها، ولاسيما الكرم، فالإمام الحسن مضرب للمثل في الكرم، والكرم من الصفات الأخلاقية المهمة والتي يعاب الرجل إذا لم يحملها، باعتبار أنّ الغالب هو تصرّف الرجل بالمال دون المرأة، وباعتبار أنّ المال مال الله تعالى، والإنسانُ ليسَ إلا خليفةً عليه، فعليه أنْ ينفقهُ في وجوهه الصحيحة، والعطاء للمحتاجين ومساعدتهم، وإكرام الضيوف وقراهم، هو من أهم وجوه إنفاق المال.

والسخاء سجيةٌ في الإنسان بمعنى أنه من الصعب على السخي أن يبخل كما أنه من الصعب على البخيل أن يعطي فالسخاء حالة تطبع نفس الإنسان، وهكذا كان الحسن(عليه السلام) كان خلقه وسجيته السخاء والعطاء، فقبل أن يطلب السائل حاجته تراه يسارع فيأمر له بعطايا هائلة، فقد روي أنه جاءه بعض الأعراب، فقال الإمام: (أعطوه ما في الخزانة، فوجدَ فيها عشرون ألف درهم، فدفعها إليه، فقال الأعرابي: يا مولاي، ألا تركتني أبوح بحاجتي وأنشر مدحتي، فأنشأ الحسن(عليه السلام):

نحن أناسٌ نوالنا خضِلٌ                 يـرتعُ فيـه الرجـاء والأمل

تجودُ قبل السؤال أنفسنا                 خوفاً على ماءِ وجهِ مَن يسلُ

إنّ تلك النفس العظيمة لا تستطيعُ أنْ تنتظر السؤالَ بل تفيض بالعطاءِ مباشرةً، ذلك لأن سموها ورفعتها تمنعانها من الانتظار أو التلكؤ، فقد جُبلت على المسارعة إلى فعل الخير،كما أننا نلاحظ ملاحظةً أخرى، ألا وهي أنّ عطاء الإمام(عليه السلام) هو عطاءٌ نبيلٌ إلى أبعد الحدود، حتى أنه يعطي السائل من دون أن يسأله بل من دون أن يعرفه ولا ينظر في وجهه حتى لا يرى ذلّ السؤال فيه، وقد روي أنه جاءه سائل فأمره أن يكتب حاجته على الأرض، إنّ الإمام لا يريد أن يعرف من ذلك الرجل حتى لا يمنّ عليه بعطائه يوماً، فهو يخشى على شعور السائل وعلى نفسه من أن تنكسر، لأن الإسلام يريد للمؤمن أن يكون عزيزاً، فلا يجوز له أن يذل نفسه، فأي نفسٍ أسمى وأكبرُ من تلك النفس، ويؤكدُ هذا المعنى قضيةٌ أخرى للإمام(عليه السلام) عندما قدم إليه ذلك السائل قائلاً:

لمْ يبقَ لي شيء يباعُ بـدرهمٍ                 يكفيكَ رؤية منظري عن مخبري

إلا بـقايا مـاءِ وجـهٍ صنتُهُ                 يـباعَ وقدْ وجدتكَ مشتـري

فأجابه صاحب النفس الكبيرة:

عـاجلتنا فـأتاكَ وابلـُ برّنا                 طلاً ولو أمهلتنا لم نقصُرِ

فخذِ القليلَ وكنْ كأنكَ لمْ تبعْ                 ما صنتهُ وكأننا لمْ نشتر

إذن فالإمام(عليه السلام) يريد أن يحفظَ كرامة السائل، فما الفائدة إذا أعطاهُ بعد مذلةٍ أو مقابل مدح أو ثناء كما يفعل الملوك والجبابرة، أبداً إنّ الأنبياءَ والأئمةَ جاؤوا لتحرير الإنسان من ذلّ عبوديته لأخيه الإنسان، فعندما يعطي الغني لا يعطي من جيبه حتى يمنّ بل يعطي من مال الله تعالى الذي وهبه إليه ووكلهُ به، (في أموالهم حقّ معلوم للسائل والمحروم)، لقد أسس الإسلامُ نظاماً كاملاً يضمن العدالة الاجتماعية، وعدم استغلال الإنسان لأخيه الإنسان حين فرض على الأغنياء مساعدةَ الفقراء.

إذن فالهدفُ الأول والأخير من عطاءِ الإمام الحسن(عليه السلام) هو رضا الله تعالى، لا رضا الناس أو انتظار مدحهم كما يفعل الكثيرون والعياذ بالله، إنّ الإمام عندما يعطي لا ينتظرُ جزاءً أو شكراً (لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً) وإنما الجود والعطاء لوجه الله: (إنما نطعمكم لوجه الله) وبالمقابل فالجزاءُ منتظرٌ من الله تعالى أيضاً: (وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً).

فقد (قاسم _الإمام الحسن(عليه السلام)_ اللهَ مالَهُ ثلاث مرات، حتى كان يعطي نعلاً ويمسك نعلاً، وخرج من ماله لله تعالى مرتين).

وقد ترافق العطاء والكرم بجانبٌ آخر طبع شخصية الإمام وكرمه وهو التواضع، فقد (اجتاز على جماعة من الفقراء وقد جلسوا على التراب يأكلون خبزاً كان معهم، فدعوه إلى مشاركتهم، فجلس معهم وقال: إن الله لا يحبّ المتكبرين، ولما فرغوا من الأكل دعاهم إلى ضيافته فأطعمهم وكساهم وأغدق عليهم من عطائه).

بل إن كرم الإمام(عليه السلام) كان حتى مع العدو والمسيء، فكان(عليه السلام) يردّه بالإحسان والعفو والعطاء، فقد مرّ به رجل من أهل الشام ممن غذاهم معاوية بالحقد والبغض لعلي وآله(عليهم السلام)، فأخذ يلعن الإمام(عليه السلام)، والإمام ساكت لا يتكلم، حتى انتهى الشامي من كلامه، فابتسم الإمام وقال بأسلوب هادئ سمح: (أيها الشيخ أظنكَ غريباً، ولعلك شبهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإنْ كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإنْ كنتَ محتاجاً أغنيناك، أو طريداً آويناك، وإن كانت لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا، وكنتَ ضيفَنا إلى وقت ارتحالك كان أعود علينا لأن لنا موضعاً رحباً وجاهاًُعريضاً، ومالاً كثيراً) فلما سمع الرجل كلامه بكى ثم قال: (أشهد أنك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته..).

لقد كان (عليه السلام) مثلاً للخلق الرفيع، والتصرف الحكيم، فعندما عرف أنّ هذا الرجل جاهل قد غُرّرَ به تحمّل كلامه، ثمّ عرّفه نفسه على حقيقتها، لا على الصورة التي صوّرها معاوية له.

إن الكرم والعطاء و التواضع والحلم سجايا رفيعة لا يمكن أنْ يتصفَ بها إلا من زهدَ في الدنيا، واتجه إلى الله تعالى مخلصاً، وهكذا كان سيدنا الحسن نموذجاً يحتذى ونوراً يُسترشَدُ به إلى مكارم الأخلاق

--------------------------------

[1]  البحار: ج35، ص226227. ط2 / مؤسسة الوفاء بيروت 1983م. نقلاً عن الاستيعاب لابن عبدالبر: ج3، ص37.

[2]  البحار: ج35، ص207.

[3]  البحار: ج35، ص207. وراجع تفسير القمّي: ص425.

[4]  آل عمران: 5961.

[5]  تفسير مجمع البيان للطبرسي: ج2، ص309، ص1/ مؤسسة الأعلمي بيروت 1995م.

[6]  تفسير الميزان: ج20، ص132، ط2/ مؤسسة الأعلمي بيروت 1974م. نقلاً عن الكشاف.

[7]  تفسير مجمع البيان: ج10، ص214. ط1/ مؤسسة الأعلمي بيروت 1995م.