نبذة عن سيرة الشهيد جلال حسن الحجّاج بمناسبة ذكرى استشهاده

2017-09-18
0
341

«روض الطفولة»

ولد الشهيد أبو مصطفى جلال حسن علي الحجّاج عام 1385ﻫ.ق في جزيرة تاروت قرية الربيعية من نواحي القطيف، وبها تربّى وترعرع في حجر والديه اللذَين عنيا به عنايةً تامةً.

فأصبحت حياته مُفعّمة بالموفّقية والنجاح، نشأ الشهيد (رحمه الله) في منطقة عرُفت بولائها التام لأهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله)؛ مما كان له الأثر الكبير في تربية الشهيد (رحمه الله) وتجلّي خصال المجد في سلوكه الطيب.

التحق الشهيد ـ ومن صغر سنّه ـ عندما أكمل السادسة من عمره المبارك بالمدارس الحكومية فكان المثل الرائع للطالب المثابر والسلوك الحسن، وكان على حظِّ وافر من الذكاء والفطنة، وقد حاز عند تخرّجه من المرحلة الثانوية ـ القسم العلمي ـ على تقدير جيد جداً. هذا ولم يكن الشهيد (رحمه الله) كما أعرف ذلك عنه كثير المطالعة كغيره، بل بما وهبه الله من الذكاء والنباهة والنبل.

 

«الحجر الطيب»

نشأ الشهيد أبو مصطفى (رحمه الله) في أسرة طيبة مع إخوانه وأخواته مجسّدين في ذلك التجمّع الصغير في عدده الكبير، في محتواه صفاء الروح ..روح الإيمان، وإيمان العقيدة، وعقيدة المتقين بأحلى معاني المودة والإخلاص.

فوالدة الشهيد (رحمه الله) بذلت قصارى جهدها في رعايته وتربيته التربية الحسنة، فكانت هي صاحبة الفضل كل الفضل في إعداده للمستقبل رجلاً متحملاً أعباء الحياة ومهام الأمور، فكان كما أرادت بل فوق ما كانت تتوقّع بكثير.

أما حياة الأسرة من الناحية المالية فهم ـ والحمد لله ـ بخير وافر، إذ والد الشهيد معروف بثرائه، فكان يغدق على عائلته ويوسع عليها كثيراً، فعاش الشهيد حياة طيبة وفي رفاهية من العيش، ولكن كل هذا لم يؤثر في شهيدنا شيئاً، فلم يعبأ بزخارف الدنيا ونعيمها الزائل، ولم يقع أسير زبرجها، بل فدى نفسه دونها وعاد منتصر العقيدة كالجبل الراسخ، وما حياة شهيدنا إلا كحياة بطل الإسلام الخالد الشهيد مصعب بن عمير.

 

«شموخ العقيدة»

كل مَن عاش مع الشهيد أبي مصطفى (رحمه الله) وصحبه يعرف ما كان يتّصف به من مزايا المجد وخصال النبل، ومن أبرز تلك الصفات قوة الإرادة والصراحة في مواقفه والانتصار لدينه، فلم تأخذه في الله لومة لائم قط، ولم يعرف أي معنى للمجاملة والمصانعة، بل كان في بعض المواقف إذا طلب منه أن يجامل يرد بكل شجاعة قائلاً: «ديني ديني».

وفي مرة من المرات قام أحد المغرورين في البلاد بتوزيع بعض الهدايا على شباب الربيعية، فلّما جاء ليسلّم له الهدية ـ وكان الشهيد في جمع من الشباب ـ رفض رفضاً باتاً قائلاً: «لا أُريد»، في الوقت الذي يأخذ جميع الشباب الهدية.

وأعظم من هذا ـ وكل حياته مواقف خالدة ـ القصة التي جرت له مع والده، وهي: أن والده قام بشراء سيارة له جديدة، ومن نوع فاخر، وسجّلها باسمه، فقبلها الشهيد كهدية من والده، ولكنه بعد استلامها بعدة أيام توجّه إلى الجمهورية الإسلامية في إيران من أجل الالتحاق بجبهات النور ضد الجهل العالمي، هكذا العقيدة، وهذا هو الإيمان، وهذه هي الشجاعة، فلقد فتحت الدنيا أبوابها للشهيد (رحمه الله)، فأبوه من أغنى الناس، علاوة على أنه حاضر لأن يرسله إلى أي دولة شاء من أجل الدراسة، والشهيد على مستوى علمي جيد كما ذكرنا، ولكن كل هذا لم يعد شيئاً أمام الإيمان الراسخ والعقيدة الثابتة، فليأخذ المتخاذلون عن نصرة الإسلام، والمتقاعسون عن الجهاد الذين رضوا بالحياة الدنيا من أبي مصطفى قدوة، فيعيدوا الحساب مع أنفسهم، والتي لا زالت راقدة في سباتها العميق، وجهلها العتيق، ويحطموا شهوات أنفسهم، التي أسرتهم بوساوسها؛ فظلوا قعيدين مستسلمين لها، وليعلموا أن الحياة عقيدةً وجهاد.

فلا السيارة الفاخرة،ولا البيت الجميل، ولا الأموال الكثيرة والرحلات إلى أوربا وغيرها،كل هذا ما استطاعت أن تجد منفذاً في نفسية أبي مصطفى لتأخذ محلاً في قلبه، بل مضى في طريق ذات الشوكة مشمراً عن ساعد الجد من أجل نصرة المبدأ، ورفع راية التوحيد خفاقة على ربوع الأرض، أو يأذن الله بالشهادة على خط الحسين (عليه السلام).

كما إني أقول أيضا للمعجبين بأنفسهم، والذين راحوا يسمّون أنفسهم بالمجاهدين وهم لم يقدّموا للإسلام شيئاً، بل راحوا يطبعون المناشير ويعقدون المؤتمرات في الفنادق والقاعات: خذوا لكم يا ثوار الفنادق من هذا البطل الثابت نبراساً كيما تعرفوا أنفسكم،وبعد ذلك تشعرون بأنكم الأخسرون أعمالاً، وأنتم تحسبون أنكم تحسنون صنعاً. نعم، إلى كل أولئك الذين تثاقلوا إلى الأرض وهم يقولون: نحن نحمل شهادات علمية، أو نحن ندرس في الجامعات الأوربية يجب أن نبقى للمستقبل، إذا نحن قتلنا فمن للمستقبل!؟ كأنهم علموا بأنهم إذا جاهدوا قتلوا أو إذا قتلوا سيبقى المستقبل فارغاً، أو إذا لم يقاتلوا فإنهم لن يموتوا، ألم تكفهم سنن الأولين وسيرة رجال الله الماضين، ألم يروا التجربة الإسلامية في إيران نصب أعينهم؟ فتبّاً لهم وترحاً، أسأل الله أن يوقظهم من سكرتهم التي هم فيها تائهون.

 

«حياة النور»

سنيناً عاشها الشهيد أبو مصطفى (رحمه الله) من عمره الشريف في بلاده ومسقط رأسه جزيرة تاروت، قبل سفره إلى إيران الإسلام ضرب فيها المثل الأعلى للعشرة الطيبة والمعاملة الحسنة، وما الدين إلاّ المعاملة، فهو في المدرسة من خيرة طلابها سلوكاً ومثابرة، وهو في المسجد كما هو في الحسينية كذلك، فلقد كان (رحمه الله )من خيرة الدعاة إلى خط الإمام الخميني القائد (رضوان الله عليه) قولاً وعملاً، شديداً في الله، مواظباً على حضور الندوات الدينية ومشاركاً في الاحتفالات الإسلامية، فكان يكتب اللوحات واللافتات في المساجد وخصوصاً أيام عاشوراء الحسين (عليه السلام) ؛ وذلك لما كان يمتاز به من خط حسن.

ولقد حجّ بيت الله الحرام عام 1402ﻫ وهناك اُلقي القبض عليه وأودع في السجن لمدة أسبوع تقريباً؛ وذلك بتهمة اللقاء بالحجاج الإيرانيين والوقوف معهم، كما كان له دور يشكر كذلك في الرحلات الدينية التي يقوم بها الشباب من أجل الدعوة إلى الله سبحانه، أضف إلى هذا دوره البارز في بعث روح التضحية وحب الشهادة والجهاد في نفوس الشباب، وتحدّيه الصريح للظلم والظالمين، وسخريته بالأمريكيين المستعمرين الغاصبين.

أجل، لقد عاش أبو مصطفى، (رحمه الله تعالى) في البلاد محبوباً عند جميع الناس، يحترمه الصغير والكبير وعند مختلف المستويات، وبالأخص عند المثقفين الواعين الذين عرفوا أبا مصطفى معرفة تامة فراحوا يجلّونه ويقدّرونه.

فسلام عليك يا أبا مصطفى، وسلام على تلك الساعات التي قضيتها معك في البلاد بين المسجد والندوة، وفي الحسينية أخرى، ومعاً في السيارة ثالثة نتبادل فيها أحاديث الأخوة والوفاء والصدق والصفاء.

فإلى اللقاء يا أبا مصطفى وأخيراً وليس آخراً إلى اللقاء.

 

«روافد الفكر»

كلما أزداد المسلم حباً لدينه وقرباً من ربه طهر قلبه، وزكت نفسه واشتاقت لمعرفة وحي السماء، واستأنست بتعاليم الرسالة وهدى الإسلام الخالد، فيرشف من نميره العذب، فلا عجب إذا رأينا شهيدنا الغالي أبا مصطفى (رحمه الله) كثير الاطلاع والمعرفة بتعاليم دينه، كيف لا وهو قد انصهر في قيم الإسلام وفضائله الكريمة السمحاء؟ فكان (رحمه الله) من خيرة الشباب الواعي اليقظ الذين جعلوا القرآن في يد والسلاح في يدٍ أخرى، وبهذا فَهِمَ الشهيد (رحمه الله) معنى كلمة (مسلم) فأسس له مذ كان صغيراً مكتبة إسلامية جيدة جمع فيها ما يحتاج إليه، وكان يكثر التردد على المكتبات لشراء ما استجدّ من الكتب، ولقد أهدى لي كتاب (جامع السعادات) للشيخ النراقي وعمره آنذاك سبعة عشر سنة .

كما كانت له رحمه الله علاقة خاصة بكتب الشهيد الصدر (قدس سره) ، والشهيد مطهري (رحمه الله) وبالأخص الأخير، حتى أنه قرأ كتاب (العدل الإلهي) للشهيد المطهري عدة مرات واستوعبه خير استيعاب، فكان كثيراً ما يطرح آراءه، إلى جانب هذا كان له إطلاع وافي بالتاريخ الإسلامي وخصوصاً تاريخ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وتاريخ أئمة الهدى عليهم السلام وأصحابهم، أما من الناحية الفقهية فكانت للشهيد (رحمه الله) علاقة خاصة بكتاب (تحرير الوسيلة) للإمام القائد الخميني العظيم (قدس سره) ، حتى أنه ليستحضر أكثر مسائله في مختلف أبوابه وبمعرفة دقيقة لموارد الاحتياط وغيرها، كما كان (رحمه الله) على بصيرة من أمره ويقين في دينه، نافذ البصيرة، قوي الإيمان، متبعاً لخط الإمام القائد خط آل محمد وعلي عليهم السلام، مؤمناً بضرورة الإطاحة بعروش الظالمين وإقامة حكم الله في الأرض، وتحكيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ساعياً لإيجاد مجتمع نظيف ودولة إسلامية شامخة أصلها ثابت وفرعها في السماء، كما كان (رحمه الله) كثير السؤال ومجالسة العلماء، حتى كان هذا من جملة وصيته الأخيرة .

«دنو المخلصين»

الحديث عن عبادة وورع الشهيد أبي مصطفى (رحمه الله) لا يكون إلا لمن وصل إلى مراتب إيمانه، واقترب بمقدار قربه؛ حتى يستطيع أن يعرف ورعه وعبادته، فأنّى لي ذلك، كيف؟ وقد حلاه الله بحلية الصالحين، وألبسه زينة المتقين،فأصبح من المشتاقين الى قربه، والدانين منه دنوّ المخلصين، بعد أن اعترف قلبه بالله عن شهود محقاً، وحوى ضميره من ألعلم بربه حتى صار خاشعاً، فناجى ربّه مناجاة الخاشعين، وخصوصاً إذا وقف بين يديه مصلياً فإن (الصلاة قربان كل تقي) فكما رأيته (رحمه الله) إذا جلس يجلس قبل الفجر ويصلي صلاة الليل، وبالاخص في شهر رمضان المبارك لا يترك صلاة الليل أبداً، ثم يصلي نافلة الصبح وفريضتها، ثم يقرأ ما تيسّر من كتاب الله والدعاء وزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ، فلقد كان ملازماً لها كل يوم، وكان (رحمه الله) ملازماً لسماع عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) ؛ حتى يبكي ودموعه تجري على خديه؛ لما ينتابه من اللوعة والحزن.

هذا وقد كان (رحمه الله) شديد الاشفاق كثير الذكر للموت وحالات القبر، فلا تراه إلا وكأنما الموت قد نزل به وحلّ بساحته.

أما ورعه فقد كان مثالاً حياً للعبد الصالح المحتاط لدينه في جميع تصرفاته وأفعاله، فإذا سمع غيبةً سرعان ما يردّها، حتى أنه إذا رأى المغتاب لم ينته قام من المجلس بلا مجاملة.

ومن اللطيف ما يحكى عنه في هذا الجانب: أنه في سفرٍ من أسفاره بالقطار وكان معه في غرفة القطار الشهيد نزيه الحجاج، ومجاهد آخر، وشخص ثالث صار معهم في الغرفة اتفاقاً، فصار هذا الشخص يغتاب بعض العلماء، فزجروه ولم يرعوِ، فقام الأخ المجاهد وخرج من الغرفة ثم تبعه الشهيد نزيه كذلك،أما ابو مصطفى فقد قام وأخذ بيد المغتاب وطرده من الغرفة، وقال لهما: تعالا أنخرج نحن وهو يجلس ؟ لا يكون ذلك أبداً .

كان (رحمه الله) شديد الحذر حتى من سماع الكلام الذي لا فائدة فيه، قائلاً «هذا لغو فدعوه»، بل كان يتورع حتى من المجئ إلى المدينة عندما يعطى اجازة ؛ خوفاً من أن تصدر منه نظرة أو يسمع كلمة غير مرغوب فيها .

أضف إلى هذا شّدة محاسبته لنفسه، متّبعاً بذلك قول أمير المؤمنين"ع": "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا" مولعاً بكتب الأخلاق، وقراءة كتب محاسبة النفس، وكتب آداب الصلاة وأسرارها .

بل كان (رحمه الله) يتعب على نفسه كثيراً، وكثيراً ما كان يردد كلمات الشهيد آية الله دستغيب "قدس سره" على نفسه حتى وصل إلى هذه الدرجة العليا، وكان (رحمه الله) يكثر من قراءة كتاب "النفس المطمئنة" للشهيد دستغيب "قدس سره" ، ولعله كان يقرأه في كل اُسبوع مرة.

كما كان له دفتر خمس من حين بلوغه، هذا علاوة على أن كل ما يملكه هو هدايا من والده.

أما أخلاقه فقد كان (رحمه الله) تعالى على مستوى عالٍ من الأخلاق الحسنة والصفات المجيدة، لا تراه الا وإلابتسامة بادية على شفتيه، ولا يكلمك الا مبتسماً "بشره في وجهه وحزنه في قلبه" يحترم الكبير ويعطف على الصغير، وكثيراً ما كان يردد ( الأطفال أحباب الله) إذا جاء من الجبهة يبادر في زيارة إخوانه قبل أن يزوروه، وما رأيته غضب في وجه أحد من إخوانه قط، كثير الصدقة والسؤال عن أحوال المؤمنين، أسس حياته مع إخوانه على التسامح والمحبة والصدق .

 

«تجارة مربحة»

لقد ذاب الشهيد جلال الحجاج (رحمه الله) في الاسلام وهديه، ووطّن نفسه للعقيدة، وآمن بالاسلام إيمان محبة ووفاء وإخلاص، تى اصبح ما يحلّ بالإسلام يحلّ به، وما يصيب الإسلام اصابة إلا أخذ يدافع عنه، ويبذل كل غالٍ ونفيس من أجل الذود عن حماه، والذبّ عن ثغور كرامته وعزّته، وعليه لم يجد وسيلة أفضل من التجارة مع الله سبحانه، فباع ماله ونفسه لله، وقال :إني لله، وما أعطاني الله هذا الجسد إلا أن أستخدمه خير استخدام في سبيله وبلا كلل وسأم. فصبر وصابر وجاهد حتى آخر قطرة من دمه الطاهر .

فبذل في سبيل الله حتى خرج في إحدى المرات من كل ماله لله سبحانه ، وخلاصة القصة أنه وقبل استشهاده بأربعة أشهر تقريباً عاد من الجبهة فقال لي: «أريد أن أتبرع ببعض أموالي للجمهورية الإسلامية» فأعطاني القسم الأكبر منها على أن أسلّمه لأحد العلماء الذين يستلمون تبرعات الجبهة فسلّمته صباحاً وأعطيته الوصل في الظهر، فقال: «الظاهر أن ثقتي بالله ضعيفة، ولو كان عندي كمال الثقة بالله لخرجت من مالي كله لله» ثم أخذ يفكر قليلاً فقام وأخرج ما تبقى من أمواله وتبرع بها ثانية في عصر نفس اليوم.

هذا علاوة على تبرعاته الأخرى وإقراضه لإخوانه المؤمنين وبالأخص المجاهدين الأخيار.

وفي إحدى المرات سمع عن أحد إخوانه بأنه يريد الذهاب للحج، فساعده بما يكفيه مدة الحج؛ هدية لوجه الله تعالى.

فليس المال عنده (رحمه الله) إلا وسيلة لتحقيق الأهداف السامية، وآلة من أجل البر والخير.

أما جهاده في الجبهة فذاك حديث الزمن ونبراس السائرين في طريق الحق حين قلّ سالكوه، وأمنية الأجيال القادمة حين ترفع راية الاسلام خفاقة على ربوع الأرض قاهرة كل الصليبيين الحاقدين .

أجل، لقد قضى شهيدنا الغالي سنتين وشهراً تقريباً من عمره الشريف في جبهات الحق، ضارباً فيها اروع مثل للمقاتل الفذ البطل الصابر.

فالتزام فريد بأوامر المسؤولين، وطاعة عن رضى لا يتردد في واجب ولا يتأفف من خدمة، مواصلاً جهاده حتى حينما يعطى إجازة في كثير من الأحيان يحبّذ البقاء في الجبهة أيام الإجازة على الرجوع إلى المدينة، بل كان ممن يشجع المقاتلين ويحرضّهم على مواصلة الجهاد والصبر، ويبعث في نفوسهم روح المقاومة والصمود، وعندما يرجع في إجازة يعود قبل تمام مدتها احتياطاً من أن تنتهي وهو بعدُ لم يصل الى الجبهة .

شديد التحرز من إفشاء ما يجري في الجبهة، حتى أنه لا يخبر عن نوع الدورات التدريبية التي تجري لهم، بل لا يخبر حتى عن نوع الأسلحة الموجودة عندهم في الجبهة، حتى عاد كالمدرسة لإخوانه فقد أخبرني أحد المجاهدين قائلاً: إن الشهداء أبا محمد، وأبا مصطفى، وثلاثة آخرين من الإخوة المجاهدين العراقيين كانوا على درجة عالية من الإيمان والأخلاق وكانوا جميعهم في فصيل واحد يجلسون معاً دائماً، فأمر آمر الفوج أن يوزعوا على الفصائل الأخرى حتى يكونوا دعاةً ومبلغين في صفوف إخوانهم .

هذا وقد كانت حالته المادية حسنة، فكان يملك الملابس الجيدة، ولكنه كان يهديها إلى أصدقائه، وهو يرتدي الملابس العادية؛ مواساة لإخوانه الذين لا يملكون ما يملك، كما كان عندما يقبض مرتبه الشهري، وقبل أن يضعه في جيبه، يسأل إخوانه عن حاجتهم، وإذا كانوا محتاجين يسلّمه إليهم، وفي كثير من الشهور كان يقرض الراتب إخوانه من حين قبضه .

كما كان شديد الحرص على وقته، فكان يقضي أوقات فراغه في الجبهة بين المطالعة والمذاكرة للمسائل العلمية والأخلاقية والعبادة .

فإذا جاء شهر رمضان المبارك تراه راكع .. ساجد .. قارئ للقرآن، وبالأخص في شهر رمضان الأخير من حياته . يقول إخوانه: ما رأيناه انفتل من عبادته قط، وإذا قرب وقت الإفطار قام هو بنفسه يحضر الأكل ويقدّمه لإخوانه.

حتى ان أصدقاءه أخذوا عليه كثرة عبادته فقالوا له: أما ترانا بشراً فتأتي لتجلس معنا.

فهنيئاً لك يا أبا مصطفى تلك الإعمال الخالصة، وذلك الصبر في سبيل الله.

 

«ركب الشهادة»

نعم يا ابا مصطفى .. إيه يا جلال .. يا صرخة الحق تهزّ كيان الظالمين .. يا قبضة العقيدة تحطم فلول الحاقدين .. بالثورة العدل تقضُّ مضاجع الجائرين.

لقد شاركت في عاشوراء الرابعة والقدس الرابعة وأبليت فيهما بلاءً حسناً في مياه الأهوار، ثم في مناطق الشمال في كردستان وعلى مرتفعات الشهيد الصدر، وفي عمليات كربلاء الثانية وبينما كان شهيدنا (رحمه الله) يقاتل وهو حاملاً لسلاح (بي كي سي) وصعد بها في قمة الجبل، وكان في جبهة العراقيين أحد الأوغاد يطلق النار باتجاه المجاهدين، مانعاً تقدم قوات الإسلام من الصعود، فوجّه أبو مصطفى سلاحه عليه وصار يقاتله مدة، وبعد ذلك قام الشهيد (رحمه الله) وكان حاملاً قنبلة يدوية فتقدم بها نحو ذلك الوغد، فقام ذلك أيضاً قاصداً الشهيد، فرماه أبو مصطفى بالقنبلة وبادله ذلك الوغد ورماه بالرشاشة فأصاب شهيدنا برصاصات في صدره، وسقط على الأرض مضرجاً بدمه القاني، وبعد لحظات فاضت روحه الطاهرة.

ثم تمّ نقله إلى طهران وشيّع مع الشهداء الأبرار، ثم نقل إلى مدينة قم المقدسة وشيّع مرة أخرى هناك، ودفن حيث مثواه الأخير في مقبرة الشهداء مقبرة علي بن جعفر (عليه السلام) في اليوم الخامس من شهر محرم الحرام لعام 1407هــ ، فجزاك الله يا ابا مصطفى عن الإسلام والمسلمين خير جزاء المحسنيين.

 

«رؤيا صادقة»

عندما استشهد (رحمه الله) وجدت في جيبه ورقة قد كتب فيها رؤيا رآها قبل استشهاده هذا نصها:

 

«بسمه تعالى»

 

شيخنا:

رأيت رؤيا لا أعرف تفصيلها، ولكني رأيت وكأن فوجنا عمل امتحان فسألت أحد الإخوة عن النتيجة، فقال لي: إنه هناك عند المدرب، وعرفت من هذا الأخ أن النتيجة بتوقيع صاحب الزمان«عج» فلّما ذهبت ونظرت في الأرض رأيت كأنها أربعة أو خمسة تشبه القبور، وعليها رخام أي مثل القبر، فلما نظرت إلى نتيجتي على إحداها رأيت مثل هذا الرسم

فترجيت المدرب أن يفسر العلامة، ولماذا وضعت؟ فلم أستطع ذلك، وجلست من نومي.

أقول: من اللطيف أن شهداءنا أربعتهم دفنوا: نزيه، وجلال، ومحمد نور، وجلال شلي جنب بعض، وهذا تأويل قوله رأيت ما يشبه القبور وعليها رخام أربعة أو خمسة.

«وحي الشهادة»

لقد ترك شهيدنا (رحمه الله) أثراً حياً ينبئك عن مدى قربه بالله سبحانه، وتحسّسه بالمسؤولية الإسلامية الملقات على عواتقنا جميعاً.

«كلمة للشهيد»

كما يبدو من هذه الكلمة أنها كتبت بعجلة، وهي خالية من الافتتاحية، هذا نصها:

بعد الإقرار لهم (الرسول والأئمة) وخلافة الله، أحمد الله على أن جعلني من المقرين لهم، وأسأله أن نكون من المتمسكين بحبهم الذي أمرنا أن نتمسك به.

الحمد لله الذي جعلنا من السائرين على هذا الأمر الذي نحن عليه، وجعلنا من المحاربين من أجل نصرة دين المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وجعل كلمة الله هي العليا في الأرض وفي أنفسنا، ونكون بذلك من المشكّلين لمجتمع إسلامي نظيف يكون فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حاكمين، فلا تكاد تخرج فيه مفسدة، نقاتل حتى ترفع الفتنة من العالم. نحن نعلم أن هذا الطريق طويل وصعب، ولكننا على أمل من الوصول إلى نهايته إلى مجتمع ودولة إسلامية كاملة، أو يأذن الله لنا بالشهادة على خط الحسين (عليه السلام).

«رسالة للشهيد موجّهة لأمه»

وكما يبدو أنه كتبها قبل شهادته بلحظات؛ لأنه يخبر فيها بشهادته أو على الأقل قبل الهجوم بقليل، هذا نصها:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه رسالة من ابنك المسافر وهو يريد لقاء ربه وهو عنه راض، وهو ينتظر لقاء ربه لحظة بعد لحظة، والحمد له أن أخذني للقائه.

ولقد عرفت يا أم أنه لن يرضى عني إلا بأن أدفع روحي في سبيله، وقد فعلت، ولله الحمد على هذا الرضى منه وأتمنى من الله أن تكوني راضية عن فعل الله بي.

فلا تبكِ إن لم تكوني راضية، فلن أرجع، ولن تحصلي على أي ثواب من الله، بل تعصيه وتغضبيه، ولكن لو رضيتي عني فسيكون إنشاء الله لقاءنا في الجنة في جوار أئمة الهدى أهل البيت (عليهم السلام) ، جوار سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، التي تعرفين ما تعرفين عن مصيبتها وهي راضية محتسبة أجرها على الله.

«وصية عامة للشهيد كتبها قبل شهادته»

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى اللهم على سيد المرسلين محمد، وعلى أخيه أمير المؤمنين، وعلى ابنته سيدة نساء العالمين، وعلى الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وعلى أئمة المسلمين سيما بقية الله في الأرضين أرواحنا لتراب مقدمه الفداء، وسلّم تسليماً كثيراً .

الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الذي جعلنا من الذين ينصرون هذا الإمام العظيم بدمهم.

أوصيكم إخواني المؤمنين بفريضة الأمر بالمعروف بينكم؛ فإنها إصلاحاً للعامة، كما تقول السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها): «والأمر بالمعروف مصلحة للعامة» وترك الفرقة فيما بينكم؛ فإنها ضياع للقوة وتضعيفاً للإسلام.

إخواني أرجو من الجميع العفو عما صدر منّي من أخطاء بحقّكم، وان تدعوا لي بالمغفرة والرحمة، وسلامة أعمالي وقبولها، وتقرأوا لي فاتحة الكتاب..

وفي الختام أسأل الله أن نلتقي جميعاً عند سيد الشهداء (عليه السلام) في الجنة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إخواني سؤال العلماء عما يحدث لكم من شبهات في أمور دينكم ضروري، وأن لا تتركوا مجالستهم في أوقات العطل، فإن مجالستهم لا تخلو من فائدة.

«وصية الشهيد»

كان للشهيد (رحمه الله) وصيتان شرعيتان، سوف نثبتهما ههنا:

الوصية الأولى

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد:

هذا ما أوصى به عبدالله وابن عبده وهو في صحة من عقله جلال حسن علي الحجّاج، بعد الإقرار بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه على كل شيء قدير، وبأن محمداً عبده ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعلي وليه وخليفة رسوله، وأن الحسن بن علي والحسين بن علي وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي وابنه الخلف الهادي الحجة المنتظر(عج) بالإمامة والعصمة والأفضلية على كل البشر بعد الرسول (عليهم أفضل الصلاة والسلام) ، وإنهم حجج الله على خلقه وأُمنائه في بلاده، وان الجنة حق والنار حق، والحساب حق، وأن الله يبعث من في القبور، وإليه المرجع والنشور.

إنه إذا حضرتني الوفاة فليفعل بي ما يفعل بإخواني المسلمين من واجبات الاحتضار والغسل والتكفين والصلاة والدفن، وأن يكون دفني في مدينة قم المقدسة، وأن تقام الفاتحة عليّ هنا في إيران ثلاثة أيام رجال، وأن يتصدق عني بمائة ريال ليلة الدفن، وتصلى لي صلاة الوحشة، وأن يقضى عني صيام شهرين و 24 يوماً، وصلاة ثلاث سنين تمام، وعهدت في تنفيذ وصاياي هذه إلى... وأوصيه أيضا أن أغراضي الخاصة هنا في الجمهورية الإسلامية تعود إلى الأخ نزيه إذا كان حياً وإلا فهي ترجع إلى ... يتصرف بها كما يشاء.

وأن يقوم بتصفية أموري هنا في الجمهورية، فإذا بقي من الثلث شيء فليعطى إلى حكومة الجمهورية الإسلامية في إيران.

ثم بعد ذلك يرسل رسالة مع الوصية رقم (2) إلى الأخ ... في «الحجاز» وهو وصيي هناك، ويطلب منه في الرسالة إرسال بقية الثلث إذا كان هناك بقية، وإرسال المبلغ الذي يحتاج للقضاء.

إخواني أرجو من الجميع العفو عما بدر منّي من أخطاء بحقّكم وأن تدعو لي بالمغفرة والرحمة وسلامة أعمالي، في الختام أسأل الله أن نلتقي جميعاً عند أهل البيت في الجنة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الموصي

جلال حسن علي الحجّاج

حرر بتاريخ 3/8/1406ﻫ

 

الوصية الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد: هذا ما أوصى به جلال بن حسن علي الحجّاج وهو في صحة من عقله وجواز من أمره وهو يشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) عبده ورسوله، ختم به المرسلين، وأتعبّد بشريعته إلى يوم الدين، وأن الجنة حق والنار حق والحساب حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأوصي أهلي وجميع إخواني بما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿يا بني إن الله اصطفى لكما الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ وأن يعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا، ويتقوا الله حق تقاته، ويسارعوا إلى مرضاته، وان يحرصوا على طاعته ويجتنبوا معاصيه ويحذروا من نقماته، ويتمسكوا بالعروة الوثقى من ولاية أوليائه ولا تأخذهم لومة لائم في عداوة أعدائه فإنه عزّ وجل يقول: ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾.

ويستيقظوا من رقدة الغافلين، ويستعدوا ليوم المعاد زاد الصالحين من العمل والإخلاص فيه ليوم الدين، وبعد:

لقد قمت بكتابة وصية أُخرى لي عهدت بتنفيذ وصاياي فيها إلى مرسل الرسالة، وأوصيته فيها بتكفل جميع أموري من دفن وما شابه ذلك، وأن يقوم بتنفيذ وصاياي في دولة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعهد في هذه الوصية بتنفيذ وصاياي إلى ...، أوصي باسترجاع المبلغ الذي لنا على من تعرفونه أن يرسل المبلغ الزائد على الثلثين إلى مرسل الرسالة، وأن يعطيه من رأس المال المبلغ الذي يحتاجه لأمور شرعية في حقّي كنت قد كلّفته بأدائها، ترجع أغراضي الشخصية التي في البيت إلى والدتي تتصرف بها كيف تشاء، والتي في بيت علي الحجاج إلى أزهر.

* إذا كان موجوداً والا كسابقتها والتي عند ... تظل له يتصرف بها أيضاً كيف يشاء، وأخيراً أحمد الله ان وفقني لهذا الطريق وهو الجهاد في سبيله، الذي قال فيه إمام المتقين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين أمير المؤمنين (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم): «الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه».

أوصي جميع المؤمنين بتقوى الله ونظم أمرهم، والسير وفق خط أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام) ، وخط ولاية الفقيه المتمثل في الإمام الخميني (حفظه الله) ، اوصي والدتي بالسلوان والرضى عنّي وأن تسامحني وترضى بقضاء الله وقدره فيّ ودائماً بل إنها تفخر إذا أنا حظيت بالشهادة أنها دفعت بابنها في سبيل الله، وأنها واست زينب (عليها السلام) والتي دفعت بولديها وأهلها، وأم البنين بأولادها الأربعة في سبيل نصرة دين محمد (صلى الله عليه وسلم).

* أزهر علي الحجّاج ابن عم الشهيد، استشهد على يد النظام السعودي عام 1409ﻫ

والدي الرجاء منكما أن تصفحا عنّي خطاياي بحقكما، فإن حقّكما لا يوفّى واعلما أنه لا بد من الفراق إن عاجلاً أو آجلاً.

أرجو من جميع الأهل والأصدقاء والجيران بأن يغفروا لي أخطائي بحقّهم، وان يترحمّوا عليّ وينسوا حقوقهم التي ضيّعتها..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم المفتاق إلى رحمة ربه

جلال حسن علي الحجاج

حرر بتاريخ 3/8/1406ﻫ

 


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق