ولادته ونشأته

ولد الشهيد السيّد مجتبى نواب صفوي في حيّ "خاني آباد" في طهران، وكان والده من رجال العلم والدين، ثمّ أصبح حقوقياً يدافع عن مظالم الناس ضد نظام الطاغوت، ولكن مشادّة حصلت بينه وبين وزير العدل آنذاك، أدّت إلى سجنه وانتقاله إلى جوار ربّه.

 

دراسته

أمّا الشهيد نواب، فقد أكمل الابتدائية بمدرسة "نظام حكيم" في قم المقدسة، وانتقل إلى المدرسة الصناعية، وظلّ بكفالة خاله، ولكن بعد فترة من الزمن اضطّر أن يزاول العمل بنفسه، وانتقل بسببها إلى آبادان، لكن اقامته لم تدم طويلاً، حيث أنّه شجّع على إقامة تظاهرة ضد الاستعمار البريطاني، وقد ألقى خطبة حماسية فيها ممّا حدا بالإنجليز إلى البحث عنه، ففرّ بمساعدة بعض الأخوة إلى النجف الأشرف وفي النجف تتلمذ على يد العلامة الأميني وآية الله السيّد هادي الميلاني

 

جهاده السياسي

وأثناء وجوده في النجف الأشرف، ظهر رجل في ايران يدعى "أحمد كسروي" سنة 1941م كان يهاجم الإسلام ويتعرض لمقام النبي (ص) ويتقوّل عليه الأكاذيب في كتاباته التي كان الاستعمار وعملاؤه في الداخل يروّجون لها وينشرونها بهدف تسميم أفكار العامة من المسلمين وإلهاء علماء الدين المناضلين عن معركتهم الأساسية ضد الإستعمار بمسائل جانبية. وعندما وصلت إلى السيّد نواب أخبار هذا الرجل ترك الدراسة وتوجّه إلى إيران ليقوم بواجب الدفاع عن الإسلام ضد تحريفات وأكاذيب هذا العميل المعتوه، فالدراسة لم تكن تشكّل أمام "نواب صفوي" عقبة في طريق العمل والنضال والثورة.

إنّ "نواب" كان يؤمن بأنّ التحرّك والعمل هو المطلوب من الإنسان المؤمن، وحينما يكون هناك طاغوت حاكم يلعب بمقدّرات الأمّة، تبقى الدراسة والجمود في المدارس والانعزال عن قضايا الجماهير خيانة بحق الإسلام والأمّة والمقدّسات

 

تأسيس "فدائيو الإسلام"

وفي ايران جمع الشهيد نواب حوله المؤمنين من رجال الدين المناضلين والشباب الواعين والكسبة المتدينين، وأسّس بهم سنة 1945م منظمة ثورية إسلامية أسماها "فدائيو الإسلام"، ووضعت على رأس قائمة أعمالها تصفية الحساب مع الزنديق "كسروي". وفي البداية حاول السيّد شخصياً مع كسروي بالحسنى والحوار ليكفّ عن الإساءة إلى الإسلام وحرق المصاحف، ولكن العميل المأجور لم تفده الطريقة الحسنى، فهدرت منظمة "فدائيو الإسلام" دمه، وتمّ اغتياله سنة 1945م. إثر ذلك اعتقل السيد نواب وأودع السجن، ولكن بضغط من الجماهير أفرج عنه.

وكان السيد خطيباً بارعاً يجذب الجماهير بكلماته وأفكاره، فبعد خروجه من السجن وجّه الجماهير ضد حكومة الشاه الطاغية، وتوجّهت منظمته في هذا الخط الجديد، فألقت سلطات الشاه القبض على السيد ورفاقه وأودعوا السجن، وضغطت الجماهير ثانية على حكومة الشاه لإطلاق سراح السيد ورفاقه من أعضاء منظمة "فدائيو الإسلام"، ورضخ النظام البهلوي مرة ثانية أمام الضغوط الجماهيرية. وفي هذه المرحلة اشتهرت منظمة "فدائيو الإسلام" بعد عملياتها العسكرية الجريئة بقيادة الشهيد السيد نواب صفوي وعبدالحسين واحدي مسؤول الجناح العسكري بالمنظمة.

في سنة 1948م اتّخذت السلطة قراراً بملاحقته مع كل أعضاء منظمة "فدائيو الإسلام"، ممّا أدّى إلى اختفاء الشهيد وانتقال المنظمة إلى طور العمل السرّي. في الأثناء عمل الشهيد جاهداً إلى إعادة آية الله الكاشاني من منفاه في لبنان، وقد توفّق في ذلك.

وفي سنة 1949م تعاون السيد الشهيد مع الجبهة الوطنية، وأصدرت المنظمة في حينها حكم الإعدام على رئيس الوزراء "هجير"، ونفذت العملية فعلاً على يد عضو المنظمة الشهيد "حسن امامي".

وكنتيجة لأعمال الرفض والمعارضة المشتركة ألغيت نتائج انتخابات الدورة السادسة عشرة، إذ اشترك ممثّلو الجبهة بانتخابات الدورة الجديدة ممّا أدّى إلى فوزهم بأكثرهم جيّدة، ولكن رئيس الوزراء الجديد المدعو "رزم آرا" عمل من أجل تكريس الدكتاتورية والتسلّط، ممّا دعا السيد نواب إلى إصدار حكم الإعدام بحقّه، وأوكلت المنظمة تنفيذ العملية إلى أحد أعضائها المجاهدين، وبالفعل قام الشهيد خليل طهماسب بإنزال القصاص العادل بالوزير المقبور.

إلاّ أنّ الاتفاق والتعاون السابق بين منظمة "فدائيو الإسلام" والجبهة الوطنية لم يستمر طويلاً لخلاف أساسي بينهما، خلاصته عدم التزام الدكتور مصدق بالتطبيق الكامل للنظام الإسلامي خصوصاً في جانبه السياسي، هذا الخلاف أدّى بمصدق إلى سجن الشهيد نواب والذي استمر إلى حين سقوط حكمه.

أمّا في سنة 1953م وبعد مؤامرة "28 مرداد"، عمل الشهيد على نشر اعلاميته المشهورة والتي كانت تحت عنوان "الشاه ورئيس الوزراء لم يعملا بالإسلام لحدّ الآن، لذلك فإنّهما لا يتمتّعان بوجود شرعي".

كان الشهيد يعتقد بمحو كل أثر ملكي والإطاحة بالحكومة الملكية لإقامة حكومة إسلامية مكانها، فكان أوّل من كتب برنامجاً مفصّلاً ومتكاملاً عن الحكومة الإسلامية وكان عمره آنذاك ستة وعشرون عاماً. ويعتبر كتابه حول "الحكومة الإسلامية" نبراساً لمن يسعى لإقامة حكومة الحق والعدل والإيمان في الأمّة الإسلامية. ففي مقابلة مع مندوب وكالة "أسوشيتدبرس" الأمريكية أجاب السيد نواب على سؤال عن ماهية الهدف الرئيسي لمنظمة "فدائيو الإسلام" قائلاً: "إنّنا نعتقد بوجوب نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة في كل العالم، ونعتقد بوجوب تطبيق القانون الإسلامي، ونعتقد أنّ التعاليم الإسلامية هي وحدها قادرة على إنقاذ البشرية من الحروب والجرائم، وفي سبيل هذه العقيدة بدأنا العمل لكي نجعل من إيران قدوة للعالم المتحضر". وسأله المراسل عن مدى استعداده للتضحية في سبيل هذا الهدف، فأجاب السيد: "أعتقد أنا واخواني أنّ أرخص شيء عندنا في الحياة هي أرواحنا، ونحن نعتقد أنّنا لا نتمكّن من خدمة الإسلام إلاّ بإعطاء أرواحنا ودماءنا في هذا الطريق المقدّس". 

 

زيارة الدول العربية

زار الشهيد بعض الأقطار العربية سنة 1954م، والتقى بياسر عرفات حين كان يومها طالباً في القاهرة، إذ يقول عرفات عن لقاءه هذا: لقد شدّني الشهيد نواب إلى العمل الثوري الحقيقي من أجل القضية الفلسطينية حينما قال لي: إنّ مكانك هو في فلسطين وليس في القاهرة. ثمّ يضيف عرفات: وحينها بدأت أفكاري تختمر لوضع البداية المطلوبة في انطلاقة المقاومة الفلسطينية، وفعلاً جاءت بعدها حركة فتح.

وفي القاهرة أيضاً التقى بالسيد قطب وآخرين من قادة الاخوان المسلمين، ثمّ ألقى في جامعة القاهرة خطاباً ثورياً ضد الإنجليز، وحمل فيه المسؤولين المصريين مسؤولية العمل لتأميم قناة السويس، ونادى في الوقت نفسه إلى إلغاء المعاهدة النفطية بين إيران وأمريكا، وصمّم من هناك على إعدام أركان النظام الفاسد الذي يحكم ايران من أمثال أميني وزاهدي وتيمور بختيار وغيرهم، وكان الذي حصل أنّ مظاهرات الطلبة المصريين انطلقت على إثر خطابه الذي ألقاه بالعربية وهي تندّد بالاستعمار وعملائه ممّا حدا بالسلطات المصرية إلى طرده من مصر.

ودُعي الشهيد نواب إلى مؤتمر إسلامي عقد في بيت المقدس لمناقشة قضية مصادرة الأراضي الفلسطينية من قبل اليهود، فألقى خطابات ثورية باللغة العربية في المؤتمر دعاهم فيها إلى تحرير القدس والقيام ضد الحكومات العميلة للاستعمار، وعندما ذهب الشهيد مع سبعين من المشاركين في المؤتمر لجولة في الأراضي المحتلّة، وقف فجأة على صخرة وألقي عبائته جانباً ودعاهم للصلاة في مسجد خرب يبعد كيلومتراً واحداً عن القدس، وقال: "من استعدّ للشهادة فليأت معنا". فتحرك الشهيد ـ أمام حيرة جنود الاحتلال المسلّحين ـ مع المشاركين الذين أخذتهم الدهشة والخوف، متوجّهاً نحو المسجد، وعندما وصل إلى المسجد أذّن وقف للصلاة، فاقتدى به جميع المشاركين في المؤتمر.

وهناك التقى بالملك الأردني حسين، وقال له كما نشرت مجلة "المثقّف" الأردنية: "عليك أن تسير في طريق إصلاح بلادك وفقاً لأحكام الإسلام، وأن لا تهادن أعداء الله". ثمّ أضاف قائلاً: "إنّني لم ألتق بأيّ سلطان في حياتي، لكن الواجب الشرعي دعاني اليوم إلى الالتقاء بك، ودفعك إلى ما فيه مصلحة المسلمين". 

 

استشهاده

وفي عام 1955م قام أحد أفراد المنظمة وبتوجيه من السيد الشهيد بمحاولة لاغتيال رئيس الوزراء المدعو حسين علاء، ولكن المحاولة فشلت ممّا أدّى إلى مضايقة السلطة للشهيد نواب إلى أن استطاعت القبض عليه في يوم 18 تشرين الثاني مع بعض رفاقه في المنظمة.

واستمرت محاكمته مع أخوته المجاهدين لمدّة شهرين، وفي صباح يوم 27/10/1334 هجري شمسي الموافق للعام 1956م وبينما كان الشهيد يتلو آيات من قرآن ربّه، أطلقت اليد الآثمة عليه بضع رصاصات حقيرة لتطفئ بذلك آخر شمعة من حياة الشهيد المجاهد.

 

فسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّاً.