أكد قائد الثورة الإسلامية سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي في خطبة ألقاها قبل 45 عاما على أهمية المشاركة في مسيرة الأربعين الحسيني باعتبارها تشكل تجمعا عالميا لإتباع أهل البيت عليهم السلام، واصفا مسيرة الأربعينية بأنها مؤتمر عالمي لشيعة أهل البيت عليهم السلام.

قبل خمسة و أربعين عاما، حين لم يكن هناك أربعون يمشي اليها الملايين كاليوم، وكانت أربعين الحسين (ع) غير معتنى بها، تحدث السيد القائد الإمام الخامنئي (دام ظله) عن عظمة هذا الحدث وأهميته القصوى مطلعا الشيعة على ايجابيات و عيوب ما يحصل و قد يحصل فيه، هنا نسرد لكم مقتطفات من كلماته عن يوم الأربعين :

 

موعد في ارض الذكريات

هل تعلمون بان زيارة الأربعين هي إحدى علامات الإيمان ؟ إنني لا اعرف مدى صحة هذه الرواية و لا أصر على أن ما اعتقده هو التفسير الصحيح لها، بل إنني اعتقد أن تفسيرها يحوي عدة احتمالات قيلت من قبل، و ما سأقوله الآن تؤيده أدلة كثيرة، كزيارة الأربعين .

عيب خطير في جموع الشيعة

كانت الشيعة جماعة متفرقة، كانوا عبارة عن مجتمع لا يعيش أفراده في مكان واحد، فقد كانوا يقطنون المدينة والكوفة والبصرة والأهواز وقم وخراسان وشتى أنحاء البلاد، إلا أن روحا واحدة جمعت هذا الكيان المشتت وهذه الأجزاء المتفرقة، مثلهم كمثل حبات المسباح يجمعها خيط واحد و يصلها ببعضها البعض الجذر ذاته، فما كان ذاك الجذر إذن؟ لقد كان طاعة مركز التشيع، فكل هذه التفرعات متصلة بالقائد الأعلى للتشيع إلا وهو الإمام، و هو بمثابة القلب الذي يأمر كل أعضاء الجسد، وهكذا فقد التشيع ليكون تنظيما واحدا موحدا .

قد نجد شخصين لا يعرفان شيئا عن اخبار بعضهما، الا انه كان هناك من يعرفون احوال الاخرين، كانوا يطيعون عالميين، يهتفون تنفيذا للامر و يسكتون طبقا للخطة، و كانت كل اعمالهم دقيقة، الا ان عملهم كان يشوبه عيب واحد و هو انهم لم يكونوا يلتقون بعضهم البعض كثيرا، بالطبع فقد كان اهالي المدينة الواحدة و شيعة نفس المنطقة يتلاقون، لكن كان من الضروري ان يكون هناك مؤتمر عالمي لشيعة اهل البيت (ع)، و قد عين الائمة (ع) هذاالمؤتمر العالمي و حددوا له ميقاتا ثم اعلنوا قائلين : ان لنا موعدا معينا، فمن استطاع منكم الحضور فليشارك فيه، و قد كان موعدهم يوم الاربعين و مكان المشاركة ارض كربلاء، ذلك ان روح الشيعة هي روح كربلائية و عاشورائية، فنبض عاشوراء مشهود في كيان الشيعة، ان الشيعة يتابعون عاشوراء الحسين اينما كانوا و حلوا .

و هكذا فاننا نرى ان هذا النبض المعروف في الشيعة هو  ناشئ من ذاك المرقد الطاهر، انه شعلة اندلعت من تلك الروح المقدسة و الطاهرة و من تلك التربة الشريفة، فاصابت الارواح و الانفس و حولت الناس الى رصاصة ملتهبة اهلكت بها قلب العدو .

لماذا اكد الائمة على البكاء على الامام الحسين(ع)؟

كانت اول ثورة قام بها الشيعة بعد عاشوراء الحسين (ع) هي ثورة التوابين . دونت كتب التاريخ تقول : ان التوابين اجتمعوا حول المرقد الطاهر ذارفين دموعا كثيرة، و يظن البعض ان البكاء هو تنفيس عن العقد، هذا صحيح، فان لم يكن البكاء مقرونا بالتفكير فانه سيكون تنفيسا عن العقد و اذا كانت المشاعر وحدها هي التي تقود الدموع فسيكون الامر كما يقولون، اما اذا كان الفكر و العقيدة هما ما يهب الانسان العبرات فسيكون الامر مختلفا، فلو هملت عينه بقطرة واحدة فانها ستكون كماء النار الذي يضرم اللهب و يؤججه اكثر، و هذه ليست عقدا بل هي سلاح، و لهذا ترون بان البكاء كان احد اعمال شيعة صدر الاسلام الطبيعية، و هم  اللذين كانوا على طريق مقاومة الظلم يمشون و خطى كربلاء يتبعون .

لقد كان الامام جعفر الصادق (ع) من اهل البكاء و كذلك كان الامام الرضا(ع)، كانا يشجعان الشعراء و يامرانهم بانشاد الشعربصوت عال و يقولان : قولوا الشعر في مجامع الناس و اجعلوهم ينتحبون، ذكروهم بتاريخ الشيعة فان هذا البكاء يؤجج النيران .

لقد اتى التوابون ينشجون و يبكون منتحبين الى ما شاء الله، اظن انني قد اخبرتكم بانهم قد ذرفوا الدمع يوما او يومان متصلان بلياليهما –و قد ذكر ذلك في كتب التاريخ الا انني لا اذكر كم يوما كان على وجه التحديد-.

بعد هذا للبكاء تكاتفوا متحدين و قرروا ان يبذلوا ارواحهم في سبيل الله و الا ينصرفوا من القتال حتى يقتلوا، و كان هذا ما حدث .

قضى رجال عظام كسليمان بن صرد الخزاعي الذي كان من صحابة امير المؤمنين وحواريي الامام الحسن (ع) و امثاله نحبهم و رحلوا مستشهدين، و بداية كل ذلك كان من كربلاء، انها حقيقة ساطعة مشرقة ظهرت في ذلك العصر، لكنها لم تبق بتلك الروعة و العظمة في اذهان الناس اليوم، بل تحولت لتصبح شيئا اخر.

 

الاربعين هو ميعاد الشيعة في المؤتمر العالمي

اذن فان موضوع الاربعين هو موضوع مهم، الاربعون تعني ميعاد الشيعة في مؤتمر عالمي و على ارض باقية في الذاكرة، انها ارض الذكريات العظيمة و الرفيعة، و ارض الشهداء و مزار القتلى في سبيل الله، ان الشيعة و انصار الشيعة سيجتمعون هناك و يمدون لبعضهم يد الاخوة و عهد الوفاء اكثر من قبل، هذه هي الاربعين.

لا بد انكم سمعتم ان جابر بن عبدالله الانصاري قد اتى ايضا، و اعتقد بان هذا الرجل الكبير كان ثالث شخص يزور الحسين (ع)، فثالث مجموعة اتت زائرة هي مجموعة جابر و عطية و قبلهما كان هناك اخرون، و لعل اول من زار هذه التربة الطاهرة هم بنو اسد و هم نفسهم الذين كانوا يريدون مواراة جثمان الامام الحسين (ع)، اجل انهم اول من زار .

أتى جابر زائرا أيضا بالتفاصيل التي سمعتموها ...

في يوم الأربعين و على تلك الأرض كان –و بشكل عام0- يتم إحياء ذكرى عاشوراء و ذكرى الجهاد و التضحية و الفداء العظيم، و ان تمكن الشيعة اليوم من إقامة موعد كهذا في تلك الارض المقدسة فسيكون ذلك عملا رائعا و في محله و سيكون كذلك اتباعا للنهج الذي اوصى به ائمة الهدى (ع).

 

  * مقتطفات من خطبة آية الله الخامنئي في مسجد الإمام الحسن المجتبى (ع) في مدينة مشهد المقدسة في يوم الجمعة  15 مارس/آذار 1974 الموافق 20 صفر 1974 ميلادي.