الدرس التاسع والسبعون: في أنّ الأموال التي بيد الولي المعصوم (ع) كلها بيد الولي الفقيه القسم الأول

2011-11-09
0
266

قد مرّ منّا أن في شريعة الإسلام أموالاً هي بيد الولي المعصوم (عَليهِ السَّلام)، وقد مرّ أن هذه الأموال على قسمين: فقسم منها بموجب الأدلة ملك للمعصوم (عَليهِ السَّلام) كالأنفال والخمس، وقسم آخر ملك للمسلمين جميعاً والى المعصوم (عَليهِ السَّلام) مصرفه كالجزية وعوائد الأراضي المفتوحة عنوةً. فبعد تسلم الأمر هناك ـ كما عرفت ـ يجب البحث هنا عن أنه إذا تأسست الولاية الإلهية الإسلامية بيد غير المعصوم كالفقيه الجامع للشرائط وقام بإدارة أمور المسلمين فهل تلك الأموال ـ مع تسلم أن القسم الأول منها ملك للمعصوم (عَليهِ السَّلام) ـ بيد ولي الأمر الفقيه أم لا؟

 

وطبع البحث يقتضي إجراء الكلام في كل من تلك الأموال على حدة، فنقول:

 

1ـ فمنها الأنفال

 

وقد مر منّا أيضاً البحث عن تعدادها وعن كون كل منها ملكاً للولي المعصوم (عَليهِ السَّلام)، وليس هنا شيء من الأمرين مورد البحث بل في خصوص أنه هل أمر التصرف فيها بيد خصوص ولي الأمر الفقيه؟ أم مقتضى الأدلة أن لا يجوز للولي الفقيه أيضاً كسائر الناس التصرف فيها لأنه تصرف في مال الغير فلا يجوز إلاّ بإذنه بل ربما كان مقتضى الأدلة تحليل التصرف فيها لشيعتهم أو لجميع المسلمين؟

 

فبعد ما عرفت من أن مقتضى الأدلة أنّ الأنفال ملك لرسول الله (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) وبعده للأئمة المعصومين عليهم صلوات الله فعموم قوله (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) «فإنه لا يحلّ دم أمريءٍ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه»[1] وقول صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف في مكاتبة محمد بن جعفر الأسدي «... فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه فكيف يحلّ ذلك في مالنا؟!»[2] يدل على عدم جواز التصرف فيها من دون إذنهم، بل المكاتبة الصحيحة السند صريحة في شمول هذا العموم لهم (عَليهِم السَّلام)، فالفقيه الذي تولى إدارة أمور المسلمين أو العدول المتولون لها لا يجوز لهم التصرف في الأنفال إلاّ إذا أذنوا لهم به.

 

وحينئذ فيمكن الاستدلال لجواز تصرّف ولي الأمر فيها بوجوه:

 

أحدها: بخبر حمّاد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح (عَليهِ السَّلام) الذي رواه الكليني في أصول الكافي، والخبر معمول له بين الأصحاب، فيكون معتبر السند ولا يضرّه الإرسال، وباقي رجال الخبر في الكافي ثقات وإن وقع في سند التهذيب بعض الضعفاء أو المجاهيل. وكيف كان، ففي التهذيب: قال حماد بن عيسى: «رواه في بعض أصحابنا ذكره عن العبد الصالح أبي الحسن الأول (عَليهِ السَّلام)»[3].

 

وبالجملة: ففي هذا الخبر الطويل: «وله بعد الخمس الأنفال... والأنفال إلى الوالي...».

 

وبيان دلالته: أن الإمام (عَليهِ السَّلام) وإن صرح بأن الأنفال للإمام المعصوم (عَليهِ السَّلام) إلاّ أنه بعد تفسيرها وبعد ذكر أمور أخر صرّح أيضاً بأنّ الأنفال إلى الوالي، فيكون حاصل مفاد كلامه أن الأنفال وإن كانت ملكاً للإمام (عَليهِ السَّلام) إلاّ أنها مع ذلك تؤدى إلى والي أمور المسلمين ليضعها حيث ما يراه مصلحة، والوالي عنوان كلي يشمل ولي الأمر الأصيل والوالي الذي جعله الولي الأصيل والياً على بلدٍ من بلاد المسلمين، كما يشمل الوالي الأصيل غير المعصوم الذي جعله الله تعالى في زمن الغيبة ولي أمر الأمة كالفقيه الواجد لجميع الشرائط المتولّي لإدارة أمر الأمة، وكعدول المؤمنين إذا وصل الأمر إلى توليّهم.

 

فالخبر تام الدلالة ومعتبر السند ومآل مفاده مأذونية ولي أمر الأمة إذا كان غير معصوم في التصرف في الأنفال، وهو المطلوب.

 

ثانيها: بعهد أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) لمالك حين ولاّه مصر. وخلاصة بيانه أنه (عَليهِ السَّلام) نص في أول هذا العهد المبارك على أنه «ولاّه جباية خراج مصر وجهاد عدوّها واستصلاح أهلها وعمارة بلادها» والأمور الثلاثة الأخيرة بل جباية الخراج أيضاً تحتاج جداً إلى إنفاق الأموال، فقد ألزم مالكاً لما أنه والي أمر مصر إنفاق الأموال المحتاج إليها في هذه الموارد وأكد عليه ثانياً و... في موارد خاصّة أثناء الكتاب الشريف، حتى أنه بعد تقسيم الرعية على طبقات خاصّة محتاجة جميعها إلى إنفاق أموال فيهم نصّ على أنه «لكلّ على الوالي حقّ بقدر ما يصلحه، وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلاّ بالاهتمام والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر عليه في ما خف عليه أو ثقل». وفي هذه العبارات تنصيص على أن إنفاق الأموال في الموارد العديدة المحتاجة إليه إنّما هو على عهدة الوالي، فهو واجب على مالك الأشتر لا بما أنه شخص بل بما أنه والي الرعية ولذلك استفدنا من الكتاب أن إنفاق الأموال من الوظائف الواجبة على وليّ الأمر، وإن كان غير معصوم.

 

فبعد إيجاب إنفاق الأموال على والي مصر ذكر في أواخر الكتاب الشريف ما نصّه «والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومةٍ عادلة أو سنّة فاضلة أو أثرٍ عن نبينا (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم)، أو فريضة في كتاب الله، فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها»[4]. فأوجب عليه الاقتداء بأمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) في ما شاهد من عمله به في حكومته العادلة ولسنة الرسول (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم). ولا ريب في أنه مما عملا به في حكومتهما إنفاق الأنفال أيضاً في مصالح الأمة، وكيف لا؟ فبعد تسلّم أن الأنفال كلّها ومنها الأرضون الموات لهم (عَليهِم السَّلام) فمع ذلك نادوا بأعلى أصواتهم بأنه من أحيا أرضاُ ميتةً فهي له، وليس ذلك إلاّ إذنا لجميع أهل الإسلام أو الرعايا في التصرف فيها، وهذا الإذن المالكي هو معنى ما عن رسول الله (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) في معتبر السكوني: «من غرس شجراً أو حفر وادياً بديّاً لم يسبقه إليه أحد أو أحيا أرضا ميتةً فهي له، قضاءً من الله ورسوله»[5]. فقضاء الرسول (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) به هو بموجب إذنه إذناً مالكياً في التصرف في إحياء أرض الموات بغرس الشجر أو حفر الوادي أو غيرهما. ولا محالة يترتب على مثل هذا الإحياء حق استحقاق المحيي لما أحياه، وهم حكم من الله تعالى أيضاً، ولذلك يكون قضاء من الله عز وجل به. وليراجع لاتضاحه إلى رواية أبي خالد الكابلي أيضاً[6].

 

فقد أوجب على مالك بما أنه والي الرعية أن يتبع هذه الطريقة وهو يؤول إلى تجويز بل إيجاب أن يعامل مع الأنفال نفس المعاملة التي عاملها هو (عَليهِ السَّلام) بالنسبة لها، ويكون الكتاب المبارك دليلاً على جواز تصرّف وليّ الأمر ـ وإن كان غير معصوم ـ فيها.

 

وشبهة اختصاص هذا الجواز بمن كان مثل مالك منصوباً من ناحية الولي المعصوم فلا يعم مثل الولي الفقيه أو عدول المؤمنين من الذين ولايتهم بحكم الله عز وجل لا بنصب المعصوم (عَليهِ السَّلام) لهم مندفعة جدّاً، بأن موضوع تجويز أو إيجاب إنفاق الأموال هو الوالي، وهو عنوان شامل لكل من كان في الشرع ولي أمر الأمة، سواء كان بنصب المعصوم (عَليهِ السَّلام) أو بحكم الله تعالى والإسلام.

 

فدلالة العهد المبارك على المطلوب تامّة، وقد مرّ أن سنده أيضاً معتبر.

 

وثالثها: بما عن تفسير النعماني بإسناده عن أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) قال: «فأما ما جاء في القرآن من ذكر معايش الخلق وأسبابها فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه: وجه الإمارة، ووجه العمارة، ووجه الإجارة، ووجه التجارة، ووجه الصدقات. فأما وجه الإمارة فقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾[7] فجعل الله خمس الغنائم (فجعل الله لهم خمس الغنائم ـ البحار) والخمس يخرج من أربعة وجوه: من الغنائم التي يصيبها المسلمون من المشركين، ومن المعادن، ومن الكنوز، ومن الغوص. ويجري (ثم جزّأ ـ البحار) هذا الخمس على ستة أجزاء، فيأخذ الإمام منها سهم الله تعالى وسهم الرسول وسهم ذي القربى، ثم يقسم الثلاثة السهام الباقية بين يتامى آل محمد (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) ومساكينهم وأبناء سبيلهم ثم إن للقائم بأمور المسلمين بعد ذلك الأنفال التي كانت لرسول الله (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم)، قال الله عز وجل: «يسألونك الأنفال (عن الأنفال ـ الوسائل) قل الأنفال لله والرسول« (فحرّفوها وقالوا: يسألونك عن الأنفال ـ البحار) وإنما سألوه الأنفال كلها ليأخذوها لأنفسهم، فأجابهم الله تعالى بما تقدم ذكره والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي الزموا طاعة الله في أن لا تطلبوا ما لا تستحقّونه، فما كان لله والرسول فهو للإمام[8].

 

ومحل الاستشهاد قوله (عَليهِ السَّلام): «ثم إن للقائم بأمور المسلمين بعد ذلك الأنفال التي كانت لرسول الله» ببيان أن المراد بهذا القائم بأمور المسلمين وإن كان الإمام المعصوم (عَليهِ السَّلام) كما تشهد به العبارات التالية التي فيها ـ في مقام بيان أوصاف خلفاء الله ـ: «ثم هي للمصطفين الذي اصطفاهم الله وعصمهم» فوصفهم بالعصمة، إلاّ أنه مع ذلك فالتعبير عن هذا المالك للأنفال بعنوان «القائم بأمور المسلمين» فيه دلالة على أن ملاك هذه الملكية إنّما هو قيامه بإدارة أمور المسلمين، وبما أن هذا الملاك موجود في الفقيه أو عدول المؤمنين الذي يقومون بإدارة أمور المسلمين فالتصرف فيها جائز لهم أيضاً وإن كان أصل الملكية فيها خاصاً بالإمام المعصوم (عَليهِ السَّلام) على ما اقتضته الأدلة الكثيرة الماضية.

 

إلاّ أن الإنصاف أن البيان المذكور لا يقتضي أزيد من الإشارة ولا يبلغ حد الدلالة، وكيف لا وقد جاء ذيل بعض أخبار مالكية الرسول والإمام للأنفال «وهو للإمام من بعده يضعه حيث شاء» فإن هذه الجملة شاهدة على إطلاق مالكيتهم لها يضعون ملكهم هذا حيث ما شاءوا.

 

ورابعها: بأخبار تدل على أن كل شيء كان للملوك فهو من الأنفال وهو للإمام، ففي موثقة إسحاق بن عمار ـ المروية في تفسير القمي ـ قال: سألت أبا عبد الله (عَليهِ السَّلام) عن الأنفال: فقال: هي القرى التي قد خرجت وانجلى أهلها فهي لله وللرسول، وما كان للملوك فهو للإمام، وما كان من أرض الجزية... الحديث[9].

 

ومثلها بل أوضح دلالة منها موثقة سماعة بن مهران المضمرة ـ المروية في التهذيب ـ قال: سألته عن الأنفال، فقال: كل أرض خربة أو شيء يكون للملوك فهو خالص للإمام وليس للناس فيها سهم... الحديث[10].

 

وقريب منهما أخبار متعدّدة أخر[11].

 

تقرير الدلالة: أن المالك لهذه الأشياء وإن عدّ الإمام وهو ظاهر في الإمام المعصوم (عَليهِ السَّلام) إلاّ أن المالك لها سابقاً لما كان هو الملك، والملك كان ولي أمر القوم لذلك ينقدح في الذهن أن المقصود بهذه الأخبار أن ما كان لولي أمر القوم يصير لولي أمر المسلمين، ويكون ذكر الإمام إنّما هو لكونه ولي أمر الأمة الإسلامية لولي أمر المسلمين، ويكون ذكر الإمام إنّما هو لكونه ولي أمر الأمة الإسلامية لا لخصوصية في شخصه، وحينئذٍ فهو شامل لكل من كان شرعاً ولي أمرهم كالفقيه وعدول المؤمنين. إلاّ أن الجزم به مشكل جداً. لكن في الوجهين الأولين كفاية.

 

2ـ ومن هذه الأموال الخُمس

 

وقد مرّت تمامية دلالة أدلة معتبرة على أن نصف الخمس ملك للإمام المعصوم (عَليهِ السَّلام)، وعلى أن نصفه الآخر أيضاً يصرفه في الأنواع الثلاثة الأخر، ويرجع إليه ما زاد على حاجاتهم، ويتم مما عنده إذا نقص عنها. وحينئذٍ فمقتضى قاعدة عدم حل التصرف في مال الغير إلاّ بإذنه أن يحرم التصرف على ولي الأمر الفقيه أيضاً التصرف في ماله المبارك، وأن لا يجوز له التصرف في النصف الأخر في غير الأنواع الثلاثة الأخر، كما أنه لا يجب عليه صرف سائر الأموال التي عنده في حاجة أولئك إذا نقص النصف عن تأمين حاجاتهم، فتأمل.

 

وبالجملة: فجواز التصرف فيه كما جاز للإمام المعصوم (عَليهِ السَّلام) للولي الفقيه أو وجوبه خلاف القواعد محتاج إلى دليل خاص، ويمكن الاستدلال لإثباته بوجوه أربعة:

 

الوجه الأول: بروايات تدل على أن سر ثبوت جواز أو وجوب هذه التصرفات للإمام المعصوم (عَليهِ السَّلام) إنّما هو أنه ولي أمر الأمة تلك الولاية الكبرى، ونعني منه أن هذا المال وإن جعل ملكاً له أو جعل أمر تصرفه بيده إلاّ أن ملاك جواز أو وجوب هذه التصرفات له أو عليه إنّما هو انه ولي أمر الأمة، فإذا ثبتت هذه الولاية بحدّها لغيره فلا محالة يجوز له أو يجب عليه تلك التصرفات، فهذا الوجه مركب من دعويين:

 

(إحداهما) إن حد الولاية الثابتة للفقيه مثلا عين حد ولاية المعصوم (عَليهِ السَّلام). والشاهد لإثباتها ملاحظة بعض الأخبار المعتبرة التي تمّت دلالتها على ولاية الفقيه، فمثل قول الأمير (عَليهِ السَّلام) في الخطبة الشقشقية في مقام سرّ قبول بيعة الناس له بالولاية الكبرى: «... وما أخذ الله على العلماء أن لا يقرّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم» يدل على وجوب قبول هذه البيعة على كل عالم واجد للشرائط، وبالنتيجة تثبت له أيضاً تلك الولاية الشاملة. ومثله خبر تحف العقول التام السند والدلالة، فتذكر.

 

(ثانيتهما) إنّ الأخبار تدل على أن ملاك هذه التكاليف والاختيارات هو أن الإمام (عَليهِ السَّلام) ولي أمر الأمة، وهي عدّة روايات:

 

1ـ منها خبر حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح (عَليهِ السَّلام) قال في مقام بيان سهام الخمس ما لفظه: فسهم الله وسهم رسول الله (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) لأولي الأمر من بعد رسول الله وراثة، فله ثلاثة أسهم: سهمان وراثة وسهم مقسوم له من الله، وله نصف الخمس كملاً، ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، يقسم بينهم على الكتاب والسنة ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شيء فهو للوالي، وإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، وإنما صار عليه أن يموّنهم لأن له ما فضل عنهم...[12].

 

وقد مرّ أن الخبر مع إرساله معتبر لعمل الأصحاب به، والمراد بولي الأمر المذكور فيه وإن كان الإمام المعصوم (عَليهِ السَّلام) إلاّ أن التعبير عنه (عَليهِ السَّلام) أولاً بأولي الأمر وأخيراً بالوالي يدلّ على الذي ذكرناه.

 

2ـ ومنها ما في تهذيب الشيخ بسند معتبر عن أحمد بن محمد قال: حدّثنا بعض أصحابنا رفع الحديث ـ إلى أن قال:ـ فأما الخمس فيقسم على ستة أسهم: سهم لله وسهم للرسول (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم)، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل فالذي لله ولرسول اله فرسول الله (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) أحق به فهو له خاصة، والذي للرسول هو لذي القربى والحجة في زمانه، فالنصف له خاصة، والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد (عليهم السلام) الذين لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة، عوّضهم الله مكان ذلك بالخمس، فهو يعطيهم على قد كفايتهم، فإن فضل منهم شيء فهو له، وإن نقص عنهم ولم يكفهم أتمّه لهم من عنده، كما صار له الفضل كذلك يلزمه النقصان[13].

 

وبيان الاستدلال به مثل ما مرّ ذيل خبر حمّاد إلاّ أنه عبّر هنا عن الإمام بالحجة في زمانه، فإذا قلنا أنه عبارة أخرى عن ولي أمر الأمة من الله تتم دلالته على المطلوب، إلاّ أنه إن قلنا بأن حجيّته في زمانه إنّما تكون بعناية أنه بعلمه بأحكام الإسلام فلا تتم دلالته، لكن الحق عدم المجال لإرادة خصوص المعنى المحتمل الثاني، وذلك أن الإمام حجة من الله على الأنام في كلا الأمرين ـ أعني في أنه عالم بالأحكام فيبيّنها للناس، وفي أنه قيم ووليّ من الله على الأمة فيعزم على كل ما يجب العزم عليه على وليّ أمر الأمة، ويكون عزمه حجّة على الناس يجب عليهم اتّباعه، وهكذا إعمال سائر اختياراته، فلا محالة تكون الحجة عبارة أخرى عن كونه ولي الأمر أيضاً، وتكون دلالته تامّة.

 

نعم إن سنده غير تام بالإرسال والرفع.

 

3ـ ومنها ما عن كتاب الطرف للسيد ابن طاووس بإسناده عن عيسى بن المستفاد عن أبي الحسن موسى بن جعفر عن أبيه (عَلَيهِما السَّلام) أن رسول الله (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) قال لأبي ذر وسلمان والمقداد: أشهدوني على أنفسكم بشهادة أن لا إله إلاّ الله ـ إلى أن قال: ـ وأن علي بن أبي طالب وصي محمد (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) وأمير المؤمنين، وأن طاعته طاعة الله ورسوله، والأئمة من ولده وأن مودّة أهل بيته مفروضة واجبة على كل مؤمن ومؤمنة، ومع إقام الصلاة لوقتها، وإخراج الزكاة من حلّها ووضعها في أهلها، وإخراج الخمس من كل ما يملكه أحد من الناس حتى يرفعه إلى ولي المؤمنين وأميرهم ومن بعده من الأئمة من ولده... فهذه شروط الإسلام وما بقي أكثر[14].

 

فقد جعل إخراج الخمس ورفعه وأداءه إلى وليّ المؤمنين من الواجبات المفروضة ومن شروط الإسلام فيدل على وجوب أدائه إلى ولي المؤمنين، وان ولاية الأئمة (عَليهِ السَّلام) على الأمة هي الموجبة لوجوب أداء الخمس إليهم. ولا محالة تكون هي الموجبة لجواز أو وجوب تلك التصرفات منهم فيه. وبما أن هذه الولاية الكبرى ثابتة للولي الفقيه فيجب أداء خمس الأموال إليه ويثبت له جواز أو وجوب تلك التصرفات بعينها، وهو المطلوب.

 

فدلالة الحديث على المدعى تامّة، إلاّ أن إسناد ابن طاووس إلى عيسى بن المستفاد مجهول، وعيسى نفسه لم تثبت وثاقته، بل عن خلاصة العلامة تضعيفه.

 

4ـ ومنها ما عن تفسير النعماني بإسناده عن أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) ـ في حديث طويل ـ: وأما ما جاء في القرآن من ذكر معايش الخلق وأسبابها فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه: وجه الإمارة، ووجه العمارة، ووجه الإجارة، ووجه التجارة، ووجه الصدقات. فأما وجه الإمارة فقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ فجعل لله خمس الغنائم...[15].

 

وبيان دلالته: أن الأمير (عَليهِ السَّلام) عدّ الآية دالّة على ذكر معايش الخلق من جهة الإمارة، والآية دالّة على وجوب أداء الخمس، وبما أن الخمس يصرف في مصارفه الخاصة، فهو من وجوه معايش الخلق. وحيث إن الإمام هو الذي يصرفه في تلك المصارف والإمام ولي أمر المؤمنين وأميرهم لذلك كانت إمارته هي الموجبة لوصول هذا المال إلى الخلق وكان هذا الخمس وجه الإمارة. وحينئذٍ فحيث إن نفس تلك الإمارة الوسيلة الكبرى تثبت بحدّها للولي الفقيه فيجب أن يؤدّى الخمس إليه حتى يصرفه في نفس المصارف المقرّرة في الشرع له، وهو المطلوب، إلاّ أن هذا كلّه بناءً على أن تكون العبارة في الموردين «وجه الإمارة» كما في وسائل الشيعة حيث حكاها هكذا عن رسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضى، لكنه نقل عن بعض نسخ تلك الرسالة «وجه الإشارة» مكان «وجه الإمارة» والموجود في البحار نقلاً عن تفسير النعماني أيضاً «وجه الإشارة»[16]. والظاهر أن المراد بوجه الإشارة أن في آية الخمس إشارة إلى بعض أسباب معايش الخلق، فإن أداء الخمس يوجب تحقق بعضها كما لا يخفى، وحينئذٍ فليس في الحديث تلك الدلالة. ومن المعلوم أن اختلاف النسخ بالنحو المزبور يوجب سقوط الخبر عن الحجية للمطلوب. هذا، مضافاً إلى ما مضى في كلماتنا كراراً من أن سند الحديث في تفسير النعماني غير معتبر.

 

لكن حديث حماد بن عيسى كما عرفت معتبر السند وتام الدلالة. هذا هو الوجه الأول.

 

الوجه الثاني: أن يقال: إن بعض الأحاديث يدل على أن مصرف الخمس ليس مجرد رفع الحوائج الشخصية التي كانت للإمام المعصوم (عَليهِ السَّلام) بل يصرف في رفع حوائج الأنواع الثلاثة المذكورة في الآية المباركة وفي رفع حاجات الناس وإن لم يكونوا من آل بيت الرسول (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم)، فمن هذه الأحاديث.

 

1ـ خبر حماد بن عيسى ومرفوع أحمد بن محمد الماضيين في أخبار الوجه الأول، فإنهما صرّحا بوجوب صرف ما عند الإمام في رفع حوائج السادة العظام إذا لم ترتفع حاجاتهم بنصف الخمس. ومن المعلوم أن ما عنده شامل لنصف الخمس الذي له وعنده.

 

2ـ ومنها: ما رواه محمد بن زيد الطبري قال: كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا (عَليهِ السَّلام) يسأله الإذن في الخمس، فكتب إليه، بسم الله الرحمن الرحيم، إن الله واسعٌ كريم، ضمن على العمل الثواب وعلى الضيق الهم، لا يحل مال إلاّ من وجهٍ أحله الله، إن الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالنا وعلى موالينا (أموالنا ـ الوسائل) وما نبذله ونشتري من أعراضنا ممن نخاف سطوته، فلا تزووه عنّا ولا تحرموا أنفسكم دعاءنا ما قدرتم عليه...[17].

 

بيان دلالته: إن من الإعانة على الدين رفع حاجات المسلمين، بل الإعطاء لمثل المؤلفة قلوبهم، بل والصرف في معيشة المجاهدين وأمثال ذلك. والعون على الموالي أيضاً يشمل رفع حاجاتهم وإن لم يكونوا من السادة العظام. فيدل الحديث على أن مصرف الخمس أعم من تأمين حوائجهم الشخصية.

 

إلاّ أن سند الحديث غير معتبر بجهالة الطبري وابن المثنى وإرسال سند الشيخ في التهذيبين. فهذه الأحاديث تدل على أنهم (عَليهِ السَّلام) إذا صاروا عملاً أولياء أمور الأمة يصرفون الخمس في حوائج الأمة كما أشرنا إليه، وقد مضى أن خبر حماد ابن عيسى معتبر السند وتام الدلالة.

 

فبعد ثبوت أن الموارد المزبورة من مصارف الخمس شرعاً وأن الأئمة المعصومين (عليهم السَّلام) إذا صاروا أولياء الأمة فلا محالة يصرفون الخمس في هذه الموارد، فقد ورد في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر حين ولاّه مصر ما يدل على تجويز أن يصرف ولي الأمر ـ وإن كان غير معصوم ـ الخمس في تلك الموارد، فقد جاء في أواخر هذا العهد المبارك ما نصّه: والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدّمك من حكومةٍ عادلةٍ أو سنة فاضلة أو أثر عن نبينا (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) أو فريضة في كتاب الله فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها، وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليه في عهدي هذا[18].

 

فالأحاديث الثلاثة سيما الأول منها دلت على وجوب أخذ الإمام (عَليهِ السَّلام) بما أنه والي أمر الأمة للخمس وإعطاء نصفه للسادة وأنه إذا فضل عنهم كان ما زاد له وعنده. وإذا نقص عن استغنائهم أعطاهم مما عنده من النصف الآخر من الخمس أو من غيره بما يتم به استغنائهم، كما دلت على أن الخمس يكون لمصارفهم الشخصية ولرفع حاجة مواليهم وعوناً على كل ما كان عوناً لدينهم ولو عند إدارة أمور الأمة من رفع حاجات الناس بأنواع الحاجات المتعددة التي تتصدى الحكومات في الدنيا لرفعها. ولا محالة كان على هذا المنوال عمل مولانا أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) أيام إعمال الولاية وكان مالك وغيره من الأصحاب يشاهد عمله به في تلك الأيام المباركة. وهذه الفقرة من عهده المبارك تأمر مالكاً بأن يقتدي بما شاهد من عمله (عَليهِ السَّلام) به في حكومته الإلهية ومالك كان ولي أمر الأمة في تلك القطعة الوسيعة من بلاد الإسلام. وقد صرّح بذلك هذا العهد المبارك في موارد عديدة منه في أول العهد وفي أثنائه وفي نفس هذه الفقرة التي هي محل الاستشهاد. فتدل بوضوح على أن الواجب على ولي أمر الأمة بالولاية الكبرى أيضاً ذلك فله هذا الخيار وعليه الأخذ به, فدلالة هذا الوجه الثاني على المطلوب تامّة.

 

الوجه الثالث: بصحيحة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي عن أبي عبد الله (عَليهِ السَّلام) الحاكية لمحاجّة الإمام (عَليهِ السَّلام) مع عمرو بن عبيد الذي كان قد دعا الإمام إلى مبايعة محمد بن عبد الله بن الحسن على ولاية أمر الأمة، فإنه (عَليهِ ?


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق