الدرس الثمانون: في أنّ الأموال التي بيد الولي المعصوم (ع) كلها بيد الولي الفقيه القسم الثاني

2011-11-22
0
269

3ـ ومن هذه الأموال زكاة الأموال

 

قد مرّ منا ـ عند البحث عن الأموال التي بيد ولي الأمر المعصوم (عَليهِ السَّلام) ـ أن الفقهاء من أصحابنا وإن اختلفوا في وجوب أخذ المعصوم لزكاة المال إلاّ أنهم متفقوا القول في وجوب أدائها إليه إذا طلبها من المكلفين بها. وقد اخترنا أن مقتضى الأدلة من الكتاب والسنة بوجوب أخذها على ولي الأمر المعصوم ووجوب أدائها إليه على الناس.

 

وأما إذا قام في زمن الغيبة فقيه واجد للشرائط بتولي إدارة أمر الأمة فهل يجب عليه أن يقوم بأخذها؟ وهل على الناس وجوب أدائها إليه ابتداءً أو بعد طلبه؟ لم يتعرض الأصحاب في أقوالهم لذلك في ما عثرنا عليه، بل المشهور بينهم جواز تولي المكلف بها بنفسه لصرفها في مصارفها مع عدم حضور الإمام، وقد ذكر المفيد في المقنعة وأبو الصلاح الحلبي في الكافي أن الواجب حينئذ وجوب حملها إلى الفقيه المأمون من أهل الولاية، فهما وإن خالفا المشهور إلاّ أنهما أيضاً أوجبا أداءها إلى الفقهاء المأمونين من أهل الولاية. وواضح أن عنوان الفقيه أعم ممن تولى منهم لإدارة أمر الأمة، فراجع عباراتهم هناك.

 

وقد مضى في كلماتنا أن أصل ولاية الفقيه غير مذكورة في كلمات عامّة الفقهاء سوى شاذ منهم، فلا مجال لانتظار أن يتعرضوا لحكم وجوب أداء الزكاة إلى الفقيه الذي صار ولي أمر الأمة.

 

وكيف كان، فاللازم علينا أن نبحث عن الأدلة لكي نعرف مدى دلالتها في موضوع البحث، فنقول: إن زكاة المال قد جعل لها الشرع في الكتاب والسنة مصارف معينة ولم يدل دليل على الخلاف، وإنما كان مقتضى الأدلة العديدة وجوب أخذها على الإمام وصرفه لها في تلك المصارف، فليست الزكاة ملكاً للإمام حتى تكون قاعدة عدم جواز التصرف في مال الغير مقتضية لعدم جواز تصرف أحد فيه حتى لو كان فقيها والياً على الأمة زمن الغيبة، بل ربما كانت أدلة إيجابها إنّما تقتضي وجوب أدائها للصرف  في المصارف الثمانية، وأصالة البراءة أيضاً تنفي وجوب أدائها إلى الغير مطلقاً، وإنما صرنا إلى القول بوجوب أخذها على الولي المعصوم لقيام أدلة عليه. وهكذا قولنا بوجوب أداء المكلف لها إليه.

 

وبالجملة: فلا يبعد دعوى أن مقتضى القاعدة أن لا يجب على الناس أداؤها إلى الفقيه الذي صار ولي أمر الأمة إلاّ أن يقوم دليل خاص عليه تخرج به عن اقتضاء القواعد، وحينئذٍ فيمكن الاستدلال له بروايات معتبرة:

 

1ـ منها مرسلة حمّاد بن عيسى المعتبرة عن العبد الصالح (عَليهِ السَّلام)، فإنه (عَليهِ السَّلام) بعد ذكر وجوب الخمس وبيان أحكامه قال ما هذا نصه: «والأرضون التي أخذت عنوة بخيل ورجال فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها ويحييها ويقوم عليها على ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الحق[1]، النصف (أ) أو الثلث (أ) والثلثين وعلى قدر ما يكون لهم صلاحاً ولا يضرّهم، فإذا أخرج منها ما أخرج بدأ فأخرج منه العشر من الجميع مما سقت السماء أو سقي سيحاً[2]، ونصف العشر مما سقي بالدوالي والنواضح[3]، فأخذه الوالي فوجّهه في الجهة التي وجهها الله على ثمانية أسهم، للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبها وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ثمانية أسهم، يقسم بينهم في مواضعهم بقدر ما يستغنون به في سنتهم بلا ضيق ولا تقتير، فإن فضل من ذلك شيء ردّ إلى الوالي، وإن نقص من ذلك شيء ولم يكتفوا به كان على الوالي أن يمونهم من عنده بقدر سعتهم حتى يستغنوا... الحديث[4].

 

ودلالتها على المطلوب واضحة، فإن العبارات المذكورة وإن تعرضت لحكم الأراضي المفتوحة عنوة إلاّ أنها تدل بوضوح على أن زكاة ما أخرج منها من الحنطة أو الشعير لابد وأن تؤدى إلى الوالي حتى يصرفها في مصارفها الثمانية المذكورة في الكتاب والسنة. وأكدت أيضاً أخيراً أنها إن زادت على مقدار حاجة المصارف ردت الزيادة إلى الوالي، وزادت عليه أن الوالي هو المكلف بتأمين معيشة من ذكر من الأصناف الثمانية لمصرف الزكاة، فقال: «وإن نقص من ذلك شيء ولم يكتفوا به كان على الوالي أن يمونهم من عنده بقدر سعتهم حتى يستغنوا». فتدل بوضوح على أن أخذ الزكاة وظيفة على الوالي، وعلى أن وظيفته أيضاً تأمين ما يحتاج مثل الفقراء والمساكين في معيشتهم حتى يستغنوا، والوالي المذكور في الحديث وإن كان ظاهراًَ في الولاة المنصوبين لإدارة البلاد إلاّ أن من الواضح أن وجوب أخذ الزكاة وما يتفرع عليه وظيفة على ولي أمر الأمة، ومنه انتقلت إلى ولي أمر البلاد. فدلالة هذه المرسلة المعتبرة السند على المطلوب تامة.

 

ثم إنه (عَليهِ السَّلام) ـ بعد ذكر مصرف باقي عوائد المفتوحة عنوة وذكر أن الأنفال أيضاً للإمام وذكر أن الله تعالى قد قسم جميع الأموال وأعطى كل ذي حق حقه ـ قال: وكان رسول الله (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) يقسم صدقات البوادي في البوادي وصدقات أهل الحضر في أهل الحضر، ولا يقسم بينهم بالسوية على ثمانية حتى يعطي أهل كل سهم ثمناً، ولكن يقسمها على قدر من يحضره من أصناف الثمانية على قدر ما يقيم كل صنف منهم يقدر لسنته ليس في ذلك في شيء موقوت ولا مسمى ولا مؤلف، إنّما يضع ذلك على قدر ما يرى وما يحضره حتى يسد كل فاقة كل قوم منهم، وإن فضل من ذلك فضل عرضوا المال جملة إلى غيرهم... الحديث[5].

 

والغرض من ذكر هذه الفقرات من الحديث التنبيه على أن الإمام (عَليهِ السَّلام) عند بيان أن على الوالي أخذ زكاة عوائد الأراضي المفتوحة عنوة كان في مقام أن على الوالي أخذ زكاة الأموال ومصرفها في المصارف المقررة كما كان النبي يصرفها، وكما أن فعل النبي (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) كان جارياً في الصدقات والزكوات فهكذا أمر الزكاة المفوضة إلى الوالي، فلا مجال لتوهم أن ما فوض إلى الوالي إنّما هو أخذ زكاة الأراضي المفتوحة عنوةً ولا يعم سائر الموارد.

 

2ـ ومنها صحيحة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي عن أبي عبد الله (عَليهِ السَّلام) الواردة في ورود جمع عليه (عَليهِ السَّلام) قد بايعوا بعض أسباط الإمام المجتبى (عَليهِ السَّلام) على ولاية أمر الأمة، فدخل هذا الجمع على الصادق (عَليهِ السَّلام) طالباً منه دخوله أيضا في هذه البيعة، فاحتج عليهم بأنه لو قلد الأمة أمرهم إليهم وولّوهم فماذا يفعلون في موارد عديدة ذكرها، فقال (عَليهِ السَّلام) لعمرو بن عبيد ـ الذي أسند أمر الجمع إليه للتكلم ـ في عداد هذه الموارد: ومع هذا فما تقول في الصدقة؟ فقرأ عليه الآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ... إلى آخر الآية﴾، قال (عَليهِ السَّلام): نعم فكيف تقسهما؟ قال أقسمها على ثمانية أجزاء، فأعطي كل جزء من الثمانية جزءاً، قال: وإن كان صنف منهم عشرة آلاف وصنف منهم رجلاً واحد أو رجلين أو ثلاثة جعلت لهذا الواحد مثل ما جعلت للعشرة آلاف؟ قال: نعم. قال (عَليهِ السَّلام): وتجمع صدقات أهل الحضر وأهل البوادي فتجعلهم فيها سوا؟ قال:  نعم. قال (عَليهِ السَّلام): فقد خالفت رسول الله (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) في كل ما قلت في سيرته... الحديث[6].

 

بيان دلالته: أنه (عَليهِ السَّلام) في مقام الاحتجاج عليهم قد ذكر أموراً وسألهم عمّا يعملون فيها، والعمدة عنه (عَليهِ السَّلام) وإن كان إثبات أنهم جاهلون بحكم الشرع في هذه الموارد ولا شك في اعتبار العلم بأحكام الإسلام في من يتولى إدارة أمر الأمة إلاّ أن ذكر هذه الموارد وسؤال عملهم في هذه الموارد دليل على أن العزم الأصيل فيها موكول إلى ولي أمر الأمة فلا محالة كان العازم على تقسيم زكاة الأموال ومقدار ما يعطي كل صنف من الأصناف الثمانية هو ولي الأمر، وبما أن هؤلاء كولي أمرهم جاهلون بحكم الله فيها لا يتأهلون لتصدي تولي إدارة أمر الأمة فالصحيحة دليل معتبر السند وتام الدلالة على أن أخذ زكاة المال وصرفها في مصارفها المقررة موكولان إلى ولي الأمر.  نعم لقائل أن يقول: إن منتهى دلالتها أن تصدي ولي الأمر لأخذ الزكاة ومصرفها جائز، وأما أنه واجب عليه فلا، وهو كاف في المطلوب، فإنه إذا كان لولي الأمر حق التدخل فيه فإذا رأى المصلحة في أخذها وأمر المكلفين بأدائها كان اللازم عليهم امتثال أمره، لتسلم أن إطاعة أمر ولي الأمر في ما كان له الأمر شرعاً واجبة.

 

3ـ ومنها ما في قسم الرسائل من نهج البلاغة، قال الشريف الرضي: ومن وصيةٍ له كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات: انطلق على تقوى الله وحده، لا شريك له، ولا تروعنّ مسلماً ولا تجتازن عليه كارهاً ولا تأخذن منه أكثر من حقّ الله في ماله... فاقبض حقّ الله منه، فإن استقالك فأقله... حتى تأخذ حق الله في ماله... ولا تأمنن عليها إلاّ من تثق بدينه، رافقاً بمال المسلمين حتى يوصله إلى وليهم فيقسمه بينهم[7].

 

فالكتاب المبارك كان (عَليهِ السَّلام) يكتبه لعاملي الزكاة والصدقات وبعد أمره بأن يستعمل الآداب الإسلامية حتى يوصله إلى ولي المسلمين فيقسمه بين المسلمين في مصارفه المقررة. فالتعبير بوليهم يعطي أن كل الملاك إنّما هو وصول الزكاة المفروضة إلى يد ولي أمر الأمة. فلا محالة إذا كان غير المعصوم من فقيه أو من عدول المؤمنين ولي أمرهم يجري هذا المعنى بالنسبة إليه أيضاً. فهذا الكتاب أيضاً تام الدلالة على أن الولي الفقيه أيضاً له أن يقوم بأمر أخذ زكاة الأموال. نعم ليس فيه دلالة على وجوب القيام بهذا الأمر، و ذلك أن محتوى الكتاب أنه حكاية لفعل الإمام بما أنه ولي أمر الأمة، فهو نص على الجواز، ولا قرينة فيه على إرادة الوجوب.

 

فهذه الأخبار الثلاثة دالة على أن للولي الفقيه بل لعدول المؤمنين أيضاً إذا صاروا أولياء امر الأمة أن يقوموا بأخذ زكاة المال من المكلفين، بل تدل مرسلة حماد على وجوب قيام كل منهم بذلك، ولا ريب في أنه بعد قيامه به فعلى الرعية إطاعة أمره، فإن إطاعة أمر ولي الأمر في ماله حق الإقدام به واجبة.

 

4ـ ويمكن الاستدلال لإثبات هذا الحق له بل ولوجوب قيامه به بأن المستفاد من الآية المباركة الواردة في بيان مصرف الصدقات الواجبة ـ أعني قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[8] ـ هو أن مصرف الزكاة تأمين الحوائج التي ليست لعدة خاصة من أمة الإسلام بل هي حوائج عامة للمسلمين لابد من القيام بأدائها، وكون موارد صرفها منها واضح فإنه ـ كما ترى ـ ليس منها ما يرتاب فيها إلاّ مصرف العاملين عليها، فيحتمل فيهم أن يقال أنهم أجراء يأخذون أجر عملهم كسائر الأجراء، إلاّ أنه بتأمل جزئي يندفع هذا الارتياب، فإنهم أيضاً بملاحظة كونهم وسائل لجميع الزكوات وسيلة للوصول إلى هذا المال ولأداء هذه الحوائج العامة.

 

فإذا كانت الزكاة لأداء هذه الحوائج العامة فقد مرّ منا كراراً أن الهدف الأصيل من تولي ولي الأمر أن لا يبقى هذه الحاجات متروكة مهملة، بل كما أن عمارة البلاد وتأسيس الشوارع بل والإدارات المختلفة حق لولي الأمر ووظيفة عليه فهكذا أخذ الزكاة وصرفها في المصارف المقررة المذكورة في الآية الشريفة والسنة المباركة.

 

وهكذا بعد ثبوت أن لولي الأمر غير المعصوم أن يقوم بأخذ زكاة المال فيمكن الاستدلال لوجوب القيام به بأن من مثل مرسلة حماد وصحيحة عبد الكريم وكتاب الأمير (عَليهِ السَّلام) يستفاد أن سرّ ثبوت هذا الحق للنبي والأئمة المعصومين عليهم صلوات الله أيضاً هو أنهم أولياء أمر الأمة، وحينئذٍ فإذا دلّت الأدلة من الكتاب والسنة على أن قيامهم بهذا الحق واجب على كل من صار ولي الأمر وإن كان فقيها أو من عدول المؤمنين.

 

4ـ ومنها صدقة الفطرة

 

قد مر نقل كلمات الأصحاب وقول بعض منهم بوجوب دفعها إلى الولي المعصوم (عَليهِ السَّلام). وقد قلنا إنه الحق وذكرنا الأدلة التي هي تامة الدلالة والسند عند التعرض لها فيها سبق. وهاهنا نقول: إن المستفاد من كلام الشيخ المفيد في المقنعة ومن كلام أبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه ومن كلام القاضي ابن البراج في المهذب وجوب دفع زكاة الفطرة في زمن الغيبة إلى الفقهاء من أهل الولاية[9].

 

فعنوان من يجب أداء الفطرة إليه هو الفقيه من أهل الولاية لا الفقيه الذي تصدى لتولي إدارة أمر الأمة. هذا بالنسبة لكلمات هؤلاء الثلاثة.

 

وأما غيرهم فقد حكموا باستحباب أداء زكاة الفطرة إلى الإمام المعصوم وصرحوا بجواز استقلال المكلف في صرفها في مصرفها، فلا محالة لا يكون الفقيه أزيد فيها من الإمام المعصوم (عَليهِ السَّلام)، وهم لم يتعرضوا لولاية الفقيه أصلاً فضلاً عن حكم أدائها إلى الوالي الفقيه، فبعد ذلك نقول:

 

إن مقتضى الأدلة وجوب أداء الفطرة إلى ولي الأمر وإن كان غير معصوم، وذلك أن قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾[10] قد عبر في صحيحة عبد الله بن سنان بآية الزكاة ففيها انه قال أبو عبد الله (عَليهِ السَّلام): لما أنـزلت آية الزكاة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ وأنـزلت في شهر رمضان فأمر رسول الله (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) مناديه فنادى في الناس: إن الله فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة، ففرض الله عليهم من الذهب والفضة وفرض الصدقة من الإبل والبقر والغنم ومن الحنطة والشعير والتمر والزبيب، فنادى فيهم بذلك في شهر رمضان وعفا لهم عما سوى ذلك، فقال (عَليهِ السَّلام): ثم لم يفرض (يتعرض ـ الفقيه) لشيء من أموالهم حتى حال عليهم الحول من قابل فصاموا وأفطروا، فأمر مناديه فنادى في المسلمين: أيها المسلمون: زكوا أموالكم تقبل صلاتكم. قال: ثم وجه عمال الصدقة وعمال الطسوق[11].

 

فكما ترى قد عبر الإمام (عَليهِ السَّلام) عن الآية المباركة بآية الزكاة، فلا محالة فالمراد بالصدقة المذكورة فيها الزكاة الواجبة، فقد أمر النبي (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) بأخذ الصدقة من أموال الناس، والأمر دليل الوجوب، فتدل الآية المباركة على وجوب قيام النبي (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) بأخذ الزكاة من الناس، ولهذا كان توجيه عمال الصدقة المذكورة ذيل الحديث امتثالاً لهذه الوظيفة. وقد زدنا هناك على الآية المباركة روايات متعددة تدل أيضاً على وجوب أخذ ولي الأمر المعصوم نبياً كان أو إماماً للزكاة. والزكاة عنوان عام شامل لزكاة المال وزكاة الفطرة أما بالنسبة لزكاة المال فواضح وهي صريح مورد الصحيحة، وأما بالنسبة للفطرة فقد أطلق عليها الزكاة في أخبار عديدة.

 

1ـ منها في صحيحة هشام بن الحكم ـ المروية عن الكتب الثلاثة وعن العلل ـ عن الصادق (عَليهِ السَّلام) قال فيها: ونـزلت الزكاة وليس للناس أموال وإنما كانت الفطرة[12].

 

والظاهر أن ضم هذه الفقرة إلى قوله (عَليهِ السَّلام) في صحيحة ابن سنان الآنفة الذكر يوجب إرادة أخذ زكاة الفطرة أيضاً في عام النـزول، فتكون صحيحتنا هذه دليلاً على إرادة زكاة الفطرة من الصدقة المذكورة في الآية المباركة.

 

2ـ ومنها معتبرة إسحاق بن المبارك ـ المروية في التهذيب ـ قال: سألت أبا إبراهيم (عَليهِ السَّلام) عن صدقة الفطرة أهي مما قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؟ فقال: نعم... الحديث[13].

 

ودلالتها واضحة جداً.

 

إلى غير ذلك من أخبار كثيرة فيها معتبرات.

 

وقد مرّ الدفاع عن توهم دلالة صحيحة ابن سنان على اختصاص الآية المباركة بزكاة المال[14].

 

فالمستفاد من الآية المباركة هو أن أخذ زكاة الفطرة وزكاة المال واجب على النبي (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم)، وهكذا الأمر في غيره من أولياء الأمر المعصومين (عليهم السَّلام) كما مرّ. هذا من ناحية.

 

ومن ناحية أخرى قد عرفت أن سرّ وجوب أداء الزكاة إلى المعصوم (عَليهِ السَّلام) بل وجوب أخذ الزكاة عليهم هو أنهم أولياء الأمر كما دلت عليه معتبرة حماد وصحيحة عبد الكريم بن عتبة وكتاب أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) المارّ ذكرهما آنفاً. وحينئذ كان اللازم أخذ زكاة الفطرة على ولي الأمر ووجوب أداء المكلف لها أيضاً إليه، فإن الملاك للوجوبين أنها زكاة وتجب أداء الزكاة إلى ولي الأمر، ويجب على ولي الأمر أخذ الزكاة، وولي الأمر عنوان عام شامل غير المعصوم أيضاً.

 

ويمكن الاستدلال لوجوب أخذ الفطرة أيضاً على ولي الأمر بما مر منا في زكاة المال مثله من أن لازم ولاية أمر قوم أن تكون الأمور العامة لهذا القوم موكولة إليه، فالعزم اللازم فيها من وظائفه ومن حقوقه، ولما كانت زكاة الفطرة قد شرعت لتأمين حاجات الفقراء والمساكين بل لعل مصرفها مصرف زكاة المال فلذلك كانت من العوائد المربوطة بالعامّة، وكان مقتضى القاعدة أن أمرها موكول إلى ولي الأمر، ولابد أن تقع في يد ولي الأمر، فالتصميم فيها من حقوقه ووظائفه، والفقيه الجامع للشرائط بل وعدول المؤمنين أيضاً ولي أمر الأمة كما أن المعصوم أيضاً وليهم.

 

5ـ ومنها عوائد الموقوفات العامة التي لا متولى لها

 

فقد بحثنا عنها عند البحث عن الأموال التي بيد ولي الأمر المعصوم (عَليهِ السَّلام) واستدللنا به بوجه معتبر قوي يجري نفس ذاك الوجه هنا أيضاً. وحاصل الكلام: أنه إذا كان للوقف متول خاص فلا ينبغي الريب في أن أمره موكول إليه، وهكذا إذا كان الوقف على شخص أو عدة خاصة فأمره موكول إليهم على تأمل. وأما إذا كان الوقف عاماً سواء كانت الموقوفة قد وقفت لانتفاع العموم بها كالخانات والمدارس أم كانت لها عوائد وجعلت هذه العوائد لعامة الناس أو لصنف خاص كطلاب العموم أو الفقراء فأمر هذه الموقوفات بيد ولي الأمر، لأن ولاية أمر الأمة في الدنيا تقتضي أن يكون بيد ولي الأمر كل ما يرتبط بتلك الأمة، وهو لازمها العقلائي سواء كانت الولاية ناشئة من الطرق الدارجة بين العقلاء أنفسهم أم ناشئة من جعل الله تعالى وأمره، وقد أشرنا إليه ذيل البحث عن أمر زكاة المال وزكاة الفطرة أيضاً. فالولاية المطلقة على الأمة المفروض ثبوتها للفقيه الجامع للشرائط أو لعدول المؤمنين مقتضاها أن يكون أمر هذه الموقوفات بيده، فله حق التصميم المناسب فيها وليس هذا الحق لغيره، كما أن عليه هذه الوظيفة حسب ما مرّت الإشارة والتنصيص عليه غير مرة.

 

ثم إنه قد وردت أخبار في خصوص المساجد ربما يتخيل دلالتها على ثبوت هذا الحق لولي الأمر في خصوص المسجد، وقد ذكرناها هناك وبيّنا ضعف هذا التخيل، فإن شئت فراجع[15].

 

6ـ ومنها الأراضي المفتوحة عنوةً

 

والمراد منها هي الأراضي التي أخذت من يد الكفار بعد الحرب معهم والغلبة عليهم، وقد ذكرنا حدود هذه الأراضي وأنها ملك لجميع المسلمين، وأن جميعها بيد ولي الأمر المعصوم (عَليهِ السَّلام) يتولى أمرها وبتصدي بنفسه أو بمن يأذنه إجارتها مثلاً ممن يعمرها وبأخذ مال الإجارة ويصرفه في مصالح المسلمين. والمقصود بالبحث هاهنا أنه إذا كان ولي أمر الأمة غير المعصوم (عَليهِ السَّلام) من فقيه واجد للشرائط أو عدول المؤمنين فهل أمر هذه الأراضي موكول إلى ولي الأمر غير المعصوم فله وعليه أن يتولى أمرها ويصرف عوائدها في مصالح الأمة؟

 

والحق أن أمر هذه الأراضي موكول إلى الولي الفقيه أو العدول من المؤمنين إذا كانوا أولياء أمر الأمة، والدليل عليه وجوه أربعة:

 

أحدهما: أنه مقتضى ضم صحيحة الحلبي إلى صحيحة محمد بن مسلم، وذلك أن محمداً الحلبي روى أنه سئل أبو عبد الله (عَليهِ السَّلام) عن السواد ما منـزلته؟ فقال: هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد، فقلنا: الشراء من الدهاقين؟ قال: لا يصلح إلاّ أن يشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين، فإن (فإذا ـ الاستبصار) شاء ولي الأمر أن يأخذها أخذها. قلنا: فإن أخذها منه؟ قال: يردّ عليه رأس ماله، وله ما أكل من غلّتها بما عمل[16].

 

فالصحيحة كما ترى صرّحت بأنّ أمر أرض السواد إلى ولي أمر الأمة. والمقصود بالسواد هو العراق الذي فتح عنوة بعد وفاة الرسول الأعظم (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم). فالصحيحة تدل على أن تولي أمرها بيد ولي أمر الأمة الذي هو أعلم من أن يكون معصوماً أم لا، وتكون قرينة على أن ذكر خصوص الإمام في الأخبار إنّما هو لكونه ولي الأمر لا لاعتبار العصمة، لكنّها مع ذلك كله فموضوعها خصوص أرض السواد ولا تشمل غيرها.

 

وقد روى محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر (عَليهِ السَّلام) قال: سألته عن سيرة الإمام في الأرض التي فتحت بعد رسول الله (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) فقال: إن أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) قد سار في أهل العراق بسيرة فهي (سيرة فهم ـ الوسائل) إمام لسائر الأرضين... الحديث[17].

 

تدل الصحيحة ـ علاوة على التصريح بأن أرض العراق مفتوحة عنوةً بعد رسول الله (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) ـ على أن حكم جميع الأراضي المفتوحة أن يتولى أمرها بيد إمام الأمة وولي الأمر، فلا محالة من انضمام هذه الصحيحة إلى صحيحة الحلبي الآنفة الذكر، ويعلم أن جميع الأراضي المفتوحة عنوةَ أمرها بيد ولي أمر الأمة مطلقاً معصوماً كان أو غير معصوم.

 

ثانيها: أنه مدلول خبر حماد بن عيسى الطويل المعتبر عن العبد الصالح (عَليهِ السَّلام)، فقد قال (عَليهِ السَّلام) فيه: «والأرضون التي أخذت عنوة بخيل ورجال فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها ويحييها ويقوم عليها على ما يصلحهم الوالي على قدر طاقتهم من الحق (من الخراج ـ التهذيب) النصف (أ) والثلث (أ) والثلثين، وعلى قدر ما يكون لهم صلاحاً ولا يضرهم، فإذا أخرج بدأ فأخرج منه العشر من الجميع مما سقت السماء أو سقي سيحاً، ونصف العشر مما سقي بالدوالي والنواضح، فأخذه الوالي فوجهه في الجهة التي وجهها الله على ثمانية أسهم ـ إلى ان قال: ـ ويؤخذ بعد ما بقي من العشر فيقسم بين الوالي وبين شركائه الذين هم عمال الأرض وأكرتُها[18]، فيدفع إليهم أنصباؤهم على ما صالحهم عليه، ويؤخذ الباقي، فيكون بعد ذلك أرزاق أعوانه على دين الله، وفي مصلحة ما ينوبه من تقوية الإسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد، وغير ذلك مما في مصلحة العامة، ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير[19].

 

والحديث كما ترى دالّ على المطلوب دلالة واضحة، والتعبير بقوله (عَليهِ السَّلام) «فيقسم بين الوالي وبين شركائه الذين هم عمال الأرض» فيه دلالة على أن الوالي كأنه مالك الأرض المفتوحة عنوةً حتى عدّ شريكاً لمن يعمرها. وقد وافق في ذكر مصرف عوائد الأراضي وأنه مصالح المسلمين ما صرّح به أبو عبد الله (عَليهِ السَّلام) في صحيحة الحلبي الماضية، فتذكر.

 

ثالثها: فقرات من العهد المبارك الذي كتبه أمير المؤمنين لمالك الأشتر حين ولاه مصر، وذلك أنه (عَليهِ السَّلام) صرّح في أوله بأنه «ولاّه» مصر جباية خراجها وجهاد عدوّها واستصلاح أهلها وعمارة بلادها»[20].

 

فنصّ على أن جباية خراج مصر موكول إلى مالك. وواضح أن الخراج هو ما يخرج من هذه الأراضي المفتوحة عنوةً، حيث تعطي هذه الأراضي من يعمرها ويجعل عليها كأجرة تسمى بالخراج، فمالك كان ولي أمر على الأراضي وجباية خراجها، بل إن ذكر الأمور الأربعة التي جعلها مما فوضت إلى مالك عبارة أخرى عن ان إليه وعليه تولي أمور الأمة بمصر، فمالك كان والياً على مصر، وكان عليه تولّي أمر مصر التي منها جباية خراجها. فهذه الفقرة من الكتاب دليل واضح على أن ولاية الوالي مساوقة لأن يكون جباية الخارجات أيضاً عليه وإليه، وهو ما نحن بصدده.

 

تعليقات الزوار
ارسال تعلیق