أبو الشهداء

2008-11-28
0
296

كان «أبو أحمد» فلاحا ًبسيطا ًفقير الحال.

 

يملك بيتا ً صغيرا ً بناؤه جدا ً قديم. أحجاره من عمر أجداده. وقد بانت تشققات البيت على الجدران وكأنها التجاعيد ذاتها التي ارتسمت على وجه «أبو أحمد» مع مرور الأيام والأشهر والسنين.

 

كان لـ «أبو أحمد» إبنا ًوحيداً. وكان لابنه بمثابة الأب والأم والمعلم والأستاذ.

 

فأم أحمد، رحمها الله، كانت قد توفيت حين كان أحمد طفلا ً. ولم تترك له الدنيا إلا «أحمد الصغير» هذا.

 

أحمد الذي كان لأبيه بمثابة الأمل والحياة بأكملها. فهو كان، كما يقول المثل، ينظر إلى الدنيا بعيني أحمد، ويرى الدنيا كما يراها أحمد.

 

دخل أحمد إلى المدرسة طفلا ًوكبر وصار في المرحلة الإبتدائية، وكبر وصار في البريفيه، ثم البكالوريا، وتخرج بتفوق. 

 

وفي يوم تخرجه لم يحضر أبو أحمد الحفل، لا لشيء إلا مخافة أن يبكي أمام الناس من شدة تأثره إن رأى إبنه يمشي بزي التخرج حاملا ً شهادته أمام الناس.

 

فأبو أحمد، الطيب القلب، كان حاد الطباع كونه رجل فلاح يعارك الأرض بمعوله كل يوم. وكان يخاف إظهار مشاعره أمام الناس. «فالرجل كالجبل لا تهزه الريح»، كان يقول ذلك لأحمد.

 

ولكنه كان بالوقت ذاته، وكلما دخل غرفته، كالأطفال يبكي. يخاف من أن يحدث شيئا ًله فيبقى أحمد وحيدا ً في هذه الحياة، أو أن يحدث شيئا ًلأحمد فيخسر هو كل حياته.... أو ما تبقى منها.

 

في الثامنة عشر من عمره تسجل أحمد في الجامعة في فرع الهندسة الميكانيكية. وكان «أبو أحمد» في ذلك الوقت في الستين من عمره وقد تغيّر في مظهره الخارجي كل شيء تقريبا ًإلا عينيه. عيناه التي فيهما القسوة «المتصنعة» والتي تخفي، حنانا ًأو عاطفة جياشة لا مثيل لها.

 

فأحيانا ًينسى «أبو أحمد» تمثيل دور «الصلابة»، فيظهر فجأة على ملامح وجهه حنان الزوجة والأم. تلك الأم التي لم يعرفها أحمد يوما ً، وتلك الزوجة التي كانت شريكة حياة أبو أحمد. رفيقة دربه في الفقر والصبر والصراع والتعب والشقاء.

 

في أول أيام الجامعة كان أحمد يغيب كثيرا ًعن البيت. أحيانا ً يختفي لساعات وأحيانا ًلعدة أيام. وكانت حجة أحمد الدائمة أنه ينام عند أصحابه لانهماكه بالواجبات الجامعية. وأحيانا ًبسبب اضطراره النزول إلى بيروت ليشتري بعض الكتب.

 

بدأ «الوسواس» يلعب بـعقل وقلب «أبو أحمد»، وكان، بسسب عاطفته الزائدة وقسوته أيضا ً، يقسو بالكلمات على أحمد. فيتهمه أحيانا ًبالـ «صياع» وأحيانا ًأخرى بعشق صبية  «بلهاء»... وأحيانا ًبكرهه لأبيه وتهربه منه ...

 

وبقي «أحمد»، في جميع حالات التشنج والعتاب، صامتا ًساكتا ًهادئا ً، لا يقول لأبيه شيئا ًإلا «عفوا ًيا أبي»... «عفوا ً يا أبي».

 

وأذكر أنه في يوم من الأيام لم يتكلم أبو أحمد مع إبنه لمدة أسبوع كامل.

 

في اليوم الأخير من ذاك الأسبوع، وحين كان أبو أحمد يجلس على كرسيه الخشبي المفضل أمام النافذة، أتى رجلان أسمران وأعطيا أبو أحمد ورقة كُتِب على غلافها الخارجي: «إلى أبي الحبيب ... (أبو الشهيد)».

 

التقط أبو أحمد الرسالة كمن يلتقط أنفاسه وقرأ بتردد ما بداخلها.

 

وبدأت يدا هذا العجوز ترتجفان وهو يقرأ: «أبي الحبيب لا تحزن !»...

 

«أبي الحبيب لن أكون أنا إلا وفيا ًلهذه الأرض... ووفيا ًلك ولأمي»...

 

«أنت الذي علمتني الحياة بعزة»...

 

«أنت الذي كافحت وصارعت كي تطعمني لقمة خبز شريفة» ...

 

«أنا لن أكون .... لن أكون إلا أنت» ... «لن أكون إلا عزيزا ًعالي الجبين كما أنت دائماً»...

 

«أنا شهيد اليوم فليبقى جبينك عاليا ًيا أبي...».

 

«أبي الحبيب سامحني إن لم أصارحك من قبل ولكن هذا كان من أجل سرية العملية ونجاحها... فأرجوك لا تحزن»...

 

أرجوك لا تحزن ؟.... وكيف لا أحزن يا أبي ؟؟؟؟

 

وكان الراديو قد بث منذ نصف ساعة خبرا ًعن حدوث عملية إستشهادية في أرض الجنوب التي كان يحتلها «الصهاينة»، وقد قتل في هذه العملية عشرة جنود صهاينة واستشهد مقاومان، كان أحدهم «أحمد الصغير»....

 

«أحمدي  الصغير... أين أنت» ؟ ...

 

وتسمّر «أبو أحمد» على كرسيه وكان يحاول جاهداً، بعناد الفلاحين، أن يمنع دمعة، عنيدة أيضاً، بما أنها دمعة فلاح، من أن تسقط.

 

وعلى كرسيه المعتاد بقي أبا أحمد هكذا...

 

جالسا ً ليوم، ليومين... لثلاثة أيام....

 

تارة يبكي وتارة يضحك... تارة يحزن وتارة يفرح.... تارة يغني وتارة ينوح...

 

ولكن في النهاية، وكما دائما ً، كان يخرح منتصرا ًرغم الألم، من معارك الحياة.

 

ولكن هذه المرة خرج من عزلته التي بات عمرها ما يناهز الخمسين عاماً، أكثر «اخضرارا ً».. و«مطرا ً».. و«ربيعاً»... وراح يتمشى، رغم التعب، في حقول القرية وبين زيتونها وليمونها وبساتينها.

 

وبات حبه لهذه الأرض اليوم أعظم وأكبر من أي وقت مضى...

 

لا يا «أبو أحمد».... لا.... ليس فقط بين الأشجار والبساتين...

 

تعالى إلينا هنا... سِر  بيننا... سِر بين الناس... علمنا معنى الكرامة والرجولة والشهامة... أعطنا من قبضات يديك عرقها... ومن شعلة قلبك نبضه... ومن دفء عينيك حنانها.... أعطنا سر «أحمد»... علّ كل أطفالنا يكونون كما هو «أحمد» ورفاق أحمد...

 

سر بيننا يا «أبو أحمد».... سر بيننا عزيزا ًشامخا ًمنتصرا ً..... أعطنا يدك لنقبلها... فأنت أبو «أحمد»....

 

أنت «أبو الإنتصارات».... أنت أبو «الشهداء»....

 

 

 

 

 


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق