الجمعة ٢٤ / مارس / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الحكومة العلوية في قراءة الإمام الخميني (ره) »

الأخلاق

30 يونيو 2013 | في الفئة: الحكومة العلوية في قراءة الإمام الخميني (ره) | لا توجد تعليقات | الزیارات: 80

الأخلاق

 ينظر المفكّرون الليبراليون إلى الأخلاق من زاوية خاصة، فمع الأخذ بعين الإعتبار أصالة الفرد، في هذا المذهب، ولحاظه منفصلاً عن بقية الأفراد الآخرين وعن‏ المجتمع، بل التأكيد على إنفصاله عن العالم أيضاً، لا بدّ وفقاً لذلك من أن يكون النظام الأخلاقي مرتكزاً هو الآخر على الفرد أيضاً، فهناك فاصل بين الواقعية‏ والقيمة في المذهب الليبرالي، بمعنى عدم إنبثاق الواجبات عن الواقعيات, وعدم إمكان تكوين شبكة اتصال منطقي بين عالمي التكوين والتشريع، فالعلوم ‏مرتبطة بمجال مُعيّن, فيما القيم متّصلة بمجال آخر، ومن هنا فالعلم شي‏ء، أمّا الأخلاق فهي شي‏ء آخر، أي أنّ القيم لا ترتبط أبداً بالواقعيات، كما أنه ليس ثمّة‏ عالم أرفع من هذا العالم حتى تستمد القيم منه وتصدر عنه.

وبعبارة أخرى، لا مكان في الليبرالية للإله الذي يضع القيم، كما أنّ الحسن والسيّى‏ء ليسا مطلقين ‏وكلّيين، فالخير والشر والحسن والقبيح تملك معنى خاصاً لدى كل فرد من الأفراد، ومن هنا كانت الأخلاق ذات جوانب فردية وشخصية لا عامة وكلّية، فالفرد نفسه هو اللسان للقيم والمُعين للتكاليف والواجبات، ولا يحق لأي كيان أو دين أن يضع نفسه في موقع المُعين للتكاليف والقيم، بل حتى لو كان الفرد متديّناً لا بدّ له من الرجوع إلى وجدانه الخاص واعتباره مصدراً لقيمه.

وهذه التبعية لأوامر الوجدان تبقى سارية ما لم يكن حكمه معارضاً للإجتماع، أي مانعاً من حرية‏ الآخرين ومتعارضاً وإراداتهم، ولا تحكي الواقعيات عن الأشياء التي لا بدّ للإنسان من فعلها أو تركها، وإذا ما اعتقد شخص ما بأنّ الواقعيات هي التي ترشد الإنسان إلى الطريق فإنه يكون قد تورّط في عملية خلط بين الواقع والقيمة.

إنطلاقاً من إعتقاد الليبرالية بتمظهر السلوك الإنساني من خلال الرغبات والميول البشرية يصبح الأمر الحسن هو ذاك الشي‏ء الذي يحبّه ويرغب فيه الفرد نفسه،والعكس هو الصحيح، فما يتعارض مع الرغبات الإنسانية يُصنّف في عداد المخالفات والقبائح.

وهذا معناه: أنّ ميول الفرد ورغباته تمثّل المعيار للحسن والقبح ‏بالنسبة إليه، وما ذكره بعض الفلاسفة من أمثال بنتام: من أنّ ملاك الفعل الأخلاقي هو في كونه يَجر أكبر مقدار من النفع على أكبر عدد من الأفراد؛ لا يحل المشكلة، ذلك أنّ الفرد هنا هو الذي يتخذ القرار في تحديد ما هو الأمر الجميل أولاً, ومن هم الأكثرية! إذ لا يمكن، لا بالقراءة النظرية ولا بالطرق العملية، تعيين مقدار السعادة والحسن وحجمهما، فالفرد الذي يقع أسيراً لرغباته الذاتية لن يرى غير لذته ومنافعه الشخصية، بل إنه في الحقيقة يطلب الآخرين من أجل نفسه, إذ تشكّل ذاته بالنسبة إليه, الهدف, فيما الآخرون الوسيلة والأداة، كما أنّ الآخرين يطلبون اللذّات التي يطلبها هو، والحال أنه لا يسمح بتعارض سعادتهم مع منافعه‏ ولذّاته الخاصة، هذا النظام الأخلاقي يفصل الإنسان عن بقية أبناء نوعه عندما يؤكد على الفرد ورغباته الشخصية، وهو ما يفضي في نهاية المطاف إلى نوع من إحساس الوحدة عند الفرد نفسه.

لكن المنطلق الآخر هو كون الإنسان مسؤولاً عن سلوكه وتصرّفاته، وهو ما لا يلزمه بالإعتراف بالواجبات والمحرّمات الدينية فقط، بل يفرض عليه عدم رمي‏المسؤولية عن كتفه وإحالتها إلى ذمة الطبيعة أو التاريخ أو الآخرين.

إنّ كل إنسان مسؤول عن أعماله, ولا يحق له، بهدف الفرار من تحمّل هذه المسؤولية، إلقاءها على الطبيعة أو المجتمع أو التاريخ أو المشيئة الإلهية، هذا كله‏ صحيح، لكن المسألة هنا, هي: أنه لو لم يكن منشأ القيم عاملاً أرفع من البشر أنفسهم, أو لو لم تكن هناك علاقة تكوينية بين القيم وإنسانية الإنسان المشتركة بين كافة ‏الأفراد، ومن ثم ليس هناك تفسير سليم لحقيقة الإنسان، فكيف يمكن تحصيل الإطمئنان بأنّ كل فرد يعمل بشكل صحيح، هذا أولاً، وثانياً كيف يمكن أن يُعد نفسه ‏مسؤولاً عن أعماله؟ هل يمكن أن يكون هناك معنى لإثارة مسألة الإلتزام وتحمّل المسؤولية بالنسبة إلى شخص لا يعرف غير اللذّة والميول التي تجر له الربح ‏والمنافع؟ أمّا في النظام الإخلاقي الإلهي، فإنّ الإنسان له مبدأ ومقصد شخصيان عليه السعي، طوال حياته، للوصول إلى تحقيقهما، بوصفهما الغاية القصوى.

وبعبارة أخرى‏ خلق الإنسان وفق المنظور الديني بهدف نيله الكمال، وعليه طيّ مسير خاص طبقاً للأوامر الإلهية؛ حتى يمكنه الوصول إلى كماله الوجودي.

وسعادة الإنسان ‏ليست سوى إيصال طاقاته الوجودية إلى مرحلة الفعلية، وهذا الأمر على خلاف التصوّر الليبرالي الذي لا يرى غاية محدّدة للإنسان ليصل إلى السعادة عندما يحصل عليها، وهذا معناه: أنه ليس ثمّة معنى واضح ومحدد للسعادة في المذهب الليبرالي، وإنما ترتبط سعادة كل فرد بما يريده هو نفسه، فكل فرد يمكنه أن‏ يكون وفق ما يريد هو، كما أنّ كل ما يريده يمكن اعتباره سعادة له، بل يمكن لكل فرد أنّ يُعيّن حدّه الوجودي بإرادته الحرّة؛ ذلك أنّ الإنسان وفق التصوّر الليبرالي يمثّل مركز العالم من دون أن يكون هناك حدّ مُعيّن له مسبقا.

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©