الأحد ٢٦ / فبراير / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الإمام الخمينيِ قدوة »

الفصل الرابع: حكمة الإمام وثباته

12 مايو 2012 | في الفئة: الإمام الخمينيِ قدوة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 74

سماحة السيد دعائي

 

 

 

 حكمة الإمام

 

 

 

من الأمور التي كان يسعى الإمام لاتخاذ جانب الدقة وبعد النظر فيها، هي الإجابة عن الأسئلة التي لها مساس بالقضايا الاجتماعية، بحيث لا يترك فيما يقوله منفذاً لكل من تسول له نفسه الصيد في الماء العكر، فيغيّر الكلام عن مواقعه وأهدافه الحقيقية، فيتخذ منه المغرضون وسيلة للانتقاد أو سوء الاستفادة.

 

 

 

كان الإمام الخميني (قدس سره) المبادر الأول من بين علماء الدين في العالم الإسلامي في مجال مساندة الثورة الفلسطينية ورجالها المسلمين في نضالهم، حينما أوعز إلى المسلمين للمشاركة في هذه الثورة بكل الامكانات وخاصة المالية منها، فأصدر فتواه الشهيرة وقتذاك بإعطاء قسم من الحقوق الشرعية إلى مقاتلي الثورة الفلسطينية لدعمهم في مواجهة العدو الصهيوني. وكانت هذه الفتوى صريحة في بيانها ومعناها، وتعتبر أول فتوى من نوعها كان لها أكبر الأثر وكان لها صدى حسن، خاصة لدى الشعب الإيراني المسلم، الذي أبدى استعداده الكامل لتطبيق هذه الفتوى، التي طرقت مسامعهم ضمن نداء صادر من قبل الإمام. ومن ذلك المنطلق فقد استغل ذلك النداء أحد المستغلين، وكان من العناصر التي تقوم بتدبير شؤون عالم أحد المساجد المعروفة في طهران؛ فقد ادعى هذا الشخص أمام الملأ بأنه مأمور ـ من قبل الإمام ـ بجمع التبرعات، ومبالغ الزكوات، وأنه يحمل تخويلاً بتسليم هذه المبالغ وتجميعها لمنفعة الفلسطينيين، واستبشر الناس لهذه المبادرة الحسنة، وابتهجوا لأن الإمام ـ لاهتمامه الشديد بهذه القضية ـ قد أرسل من ينوب عنه لجمع هذه التبرعات وحقوق الزكوات. ولكن بعضهم عادوا إلى أنفسهم متسائلين بدافع من الحيرة والتعجب. كيف تم اختيار هذا الشخص دون غيره؟ وهل هو منتدب من قبل الإمام أو لا؟!

 

 

 

وقطعاً لدابر الشك والريبة فقد حرر الأخ الشيخ كروبي رسالة، وحملها السيد إحساني إلى الإمام في النجف الأشرف، يسأل فيها عن حقيقة تفويض الشخص الفلاني ـ وكتب اسمه ـ من قبله، لتسلّم المبالغ المذكورة ومدى صحة ذلك. وقد قدمت الرسالة إلى سماحته حال وصولها، وحينما طالع الإمام السؤال المقدم إليه، قال: أنا لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال. فقلت: لماذا؟ فقال: لأنهم ذكروا لي اسم هذا الشخص الصريح، وهو مرتبط عائلياً بإحدى الشخصيات العلمية التي هي في طريقها لتسنّم المرجعية، وقد كانت تسكن النجف الأشرف في ذلك الحين، لذلك أرفض الإجابة عن السؤال، لأن الجواب سوف يؤثر على مكانة ذلك الشخص والشخصية الدينية التي يرتبط بها، ولا أرى من الصحيح استغلال هذه القضية بهذا الشكل، ويمكنكم ـ والحالة هذه ـ أن تطرحوا السؤال بهذه الكيفية: "هل أرسلت شخصاً من قبلك وأجزت له جمع التبرعات للجهة المذكورة أو لا"؟ وأنا أجيب عن ذلك.

 

 

 

إن هذه الحادثة تلفت النظر إلى ما يميز الإمام (قدس سره) من بعد النظر والحرص الشديد على سمعة علماء الدين.

 

 

 

الوضوح والثبات

 

 

 

لقد أقمنا في العراق قرابة (11) عاماً، وكانت تلك الإقامة بسبب ما لاقيناه من المشاكل في إيران؛ فلأجل سلامتنا، وسلامة الكثير من الاخوان، اضطررنا إلى تلك إيران والتوجه إلى العراق؛ إذ لو كنّا قد بقينا في إيران لتعرضنا إلى الهلاك ولقضي على نواة المقاومة وعناصرها وفي تلك المرحلة نشأت معرفتي الحقيقية ـ عن كثب ـ بالإمام وبمجلسه.

 

 

 

من الملاحظ في الأوساط الحوزوية الدينية ـ وعلى الأخص فيما يتعلق بالشخصيات المرموقة المرشحة للمرجعية، أو الذين صارت مرجعيتهم ثابتة ـ أنها تجتذب إليها أشخاصاً لهم القدرة على الإفادة والتأثير.

 

 

 

ولهذا السبب فإن الأفراد الذين لم يحسبوا ـ بعد ـ على حوزة مرجع معين يكونون هدفاً للكسب والتأثير عليهم، ويتم وضع برامج لكسبهم. أما ما لاحظته خلال ارتباطي بالإمام، فهو توجه الكثير من الإخوان والأصدقاء المخلصين إلى رحاب مجلسه، وانشدادهم إليه بعلاقة إيمانية عميقة، بسبب عدم اتخاذه اسلوب كسب الأفراد، أو جذبهم إليه، وهذا متأتٍّ عن اعتقاد الإمام بأنه مادام لكل فرد اعتقاده، فإن أساس العقيدة والفكرة الخالصة تنبع من هذا المنطلق، ويتاح له المجال الواسع للعمل في خدمة الله سبحانه وتعالى.

 

 

 

وكانت النتيجة أن أصبح بيت الإمام محوراً لتجمع الكثير من الأصدقاء المخلصين الصادقين، الذين يريدون خدمة الإمام.

 

 

 

وباختصار، لم يكن الإمام يجيز لأحد أو يسمح له أن يستغل اسمه، أو أسماء أصدقائه، لجذب الآخرين أو كسبهم للعمل معهم بأي حال من الأحوال.

 

 

 

وعلى هذا الأساس فقد كان الإخوان الموجودون هناك يتمسكون بصراحة متناهية في القول والعمل، في جميع ما يطرح على بساط البحث، أو يطرح على سماحة الإمام؛ إذ كان سماحته يناقش الأمور برحابة صدر، وبدون أدنى مجاملة ولا ملاحظة لأي شيء سوى رضى الله.

 

 

 

وكمثال على ذلك؛ ذهبت ـ يوماً ـ إلى الإمام في أمر من الأمور، وشرحت المسائل والحوادث التي حدثت في إيران، وخاصة تلك التي لها علاقة بتحرك يطلق عليه تحرك العلماء المتنورين والمناضلين، وعرضت له أنه يجب حماية هذه الحركة وتأييدها، وهي النتيجة التي توصل إليها الإخوان، وأن من لا يؤيد هذه الحركة سوف ينفصل عن الناس ويعيش العزلة جراء موقفه هذا.. ألقيت ذلك على مسامع الإمام بصراحة وبكل احترام، وأضفت القول: إن عدم تأييد هذه الحركة من شانه التعرض للانزواء والانفاصال عن الناس.

 

 

 

فتفضل سماحته قائلا: إني إذا أعطيت رأيي في شيء يوماً ما، وكان هذا الرأي سبباً لابتعادي عن الناس في قرية نائية، أو في جبل لا يقطنه بشر، وأكون مجبوراً للعيش فيه لوحدي، فإني ـ ومع كل ذلك ـ سأبقى ادافع عن وجهة نظري، وسوف لا أبالي بما يحدث لي بعد ذلك، لأنها عقيدتي وفكرتي، وبموجبها اتخذت هذا القرار، وليس مهمّاً عندي أن يقبل رأيي، أو يؤيد بي ذلك إلى العزلة أم لا.

 

 

 

هكذا كان إصرار سماحته نابعاً من الفكرة والعقيدة اللتين يحملهما، وهذا ما كان لافتاً للنظر، لأن الكثير من كبار الشخصيات قد أعلنوا عن تأييدهم لهذه الحركة التي نشأت داخل إيران، ووقفوا إلى جانبها، وقصدوا الإمام يلحّون عليه لإصدار تأييده لهذه الحركة، وأن يترك جانب الحياد، ولكن الإمام ـ بثاقب فكره ونظرته المتفتحة والواقعية التي كان يمتاز بها ـ شخص الحالة بأنها لا توجب حماية الحركة بهذا الشكل، خاصة وأنها لم تتوضح هويتها وأهدافها بعد.

 

 

 

وكانت هذه الحركة المسلحة ـ مجاهدي الشعب كما يُطلق عليهم ـ قد تلقت، منذ أوائل سنيّ عمرها، التأييد والحماية من قبل الكثير من الشخصيات الكبيرة في الأوساط العلمائية والسياسية والدينية في إيران، وكان على رأسهم حضرة آية الله الطالقاني (رحمه الله)، وكانوا يطلبون من الإمام بيان موقفه، بتعابير عجيبة، في رسائلهم الموجهة إليه. وكذلك كان آية الله المنتظري وبعض الشخصيات الأخرى، وحتى المرحوم آية الله المطهري يؤيدونهم؛ ففي اليوم الذي تشرف بالمجيء إلى النجف الأشرف، وبعد أن توضّحت له الأمور قال: لقد انزلقنا ـ جميعاً ـ ما عدا الإمام لامتيازه عنّا بالنظرة الواقعية، والاعتماد على استنتاجه الفكري والعقائدي، بإصرار، في عدم تأييد القضايا والأشياء المبهمة، أو شبه المبهمة. ومن خلال تمسكه بهذه الفكرة والعقيدة صان نفسه من الانزلاق، وقد توضحّت للملأ آثار هذه الحكمة بعد فترة من الزمن.

 

 

 

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©