الأحد ٢٦ / فبراير / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » أهل البيت عليهم السلام »

الفصل الثالث: ولاية أهل البيت عليهم السلام

27 يونيو 2013 | في الفئة: أهل البيت عليهم السلام | لا توجد تعليقات | الزیارات: 147

الفصل الثالث : ولاية أهل البيت عليهم السلام

 

1ـ العلاقة بين الولاية والعمل:

بات واضحاً ما هو المعنى الشامل الذي يراه الإمام لولاية أهل البيت عليه السلام من خلال قوله: "فهو عليه السلام بمقام ولايته الكلية قائم على كل نفس" أثناء حديثه عن مولى الموحدين صلوات الله عليه، فما ينبغي أن نتعرف عليه الآن هو نظرة قدس سره حول العلاقة القائمة بين العمل والولاية بمعنى هل يمكن الإنسان الاستغناء بأحدهما عن الآخر، فإذا كان من المؤمنين بولايتهم عليهم السلام كفاه ذلك عناء التكاليف والعبادات خصوصاً مع كون بعض الأحاديث عند النظر إليها ظاهرة في هذا المعنى للوهلة الأولى، وهي ما أدّت إلى تصديّ الإمام قدس سره لمعالجتها من خلال بيان منافاتها مع طائفة كبيرة أخرى من الأحاديث الشريفة التي تؤكد على ضرورة الالتزام بالابتعاد عن مخالفة الله في أصول الأحكام وفروعها، وحصول العلم القطعي بأن بعض الروايات التي يتنافى ظاهرها مع هذه المسلّمات لا يكون الظاهر منها مقصوداً، فلابد من تأويلها بصورة لا تتضارب مع ما يعتبر من ضروريات الدين، أو القيام بالجمع بين الطائفتين، وإلا نرجع علمها إلى قائلها.

 

2ـ حديث المعرفة:

ويعتبر قدس سره: "أن الاعتقاد بمشروعية تسويد صحف الأعمال اتكالاً على محبتهم وولايتهم صلوات الله عليهم مصيبة من المصائب الكبيرة وافتراء وسوء فهم، وهو ما لا يدعو إليه المعصوم عليه السلام بل في منتهى البعد عن هذا المعنى"1.

مصدّراً بحثه الشريف بحديث عن محمد بن مارد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: "حديث روي لنا أنك قلت: إذا عرفت فاعمل ما شئت، فقال عليه السلام: قد قلت ذلك، قال: قلت: وإن زنوا وإن سرقوا وإن شربوا الخمر؟! فقال لي: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما أنصفونا أن نكون أخذنا بالعمل ووضع عنهم! إنما قلت: إذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره، فإنه يقبل منك"2.

والذي يريد الإمام قدس سره أن يخلص إليه في نهاية المطاف هو التأكيد على أمرين:

الأول: أن الإيمان بالولاية ليس بديلاً عن العمل، يقول قدس سره: "إن المؤمن إذا لم يعمل بمتطلبات الإيمان وما تستدعيه محبة الله وأوليائه لما كان مؤمناً ومحباً، وإن هذا الإيمان الشكلي والمحبة الجوفاء من دون جوهر ومضمون"3.

والثاني: أن العمل ليس كافياً دون الإيمان بالولاية.

فتكون النتيجة أن كلا الأمرين مطلوب، ولا يتيسّر للإنسان الوصول إلى شاطئ الأمان الإلهي والفوز بما عند الله تعالى طالما كان مستغنياً عن أحد هذين الجانبين

المذكورين.

 

طائفتان من الأخبار:

إذا عرفنا ذلك لابد لنا من الاطلاع على أسلوب الإمام قدس سره في التوفيق بين الطائفتين من الأحاديث الظاهرة في عدم الاتفاق على المعنى المتقدم، حيث يظهر من بعضها الاكتفاء بحب أهل البيت عليه السلام من قبيل الحديث المشهور بين العامة والخاصة: "حب علي حسنة لا تضرَ معها سيئة، وبغضه سيئة لا ينفع معها حسنة"4، ويظهر من بعضها الآخر عدم الاكتفاء وضرورة العمل مع حبّهم عليه السلام كما في حديث جابر عن أبي جعفر عليه السلام: "فقال: يا جابر، لا تذهب بك المذاهب حسب الرجل أن يقول أحب علياً وأتولاه ثم لا يكون مع ذلك فعّالاً؟ فلو قال إني رسول الله، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير من علي عليه السلام، ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئاً"5.

إن المشكلة التي تتنافى وأصل المذهب ظاهراً ليست كامنة في روايات الطائفة الثانية وإنما الأولى لأنها تدل بالمثال المتقدم أنه ليس هناك ضرر من العمل السيء طالما كان صادراً من محبّ أمير المؤمنين عليه السلام، بينما الثانية تقول بعدم كفاية حبهّم عليهم السلام مستقلاً عن القيام بالوظائف الشرعية لا أنه يمكن الاستغناء عن ولايتهم ومودتهم لذلك لا مشكلة فيها. فمن هنا عالج الإمام قدس سره الخبر المذكور وما شاكله على النحو التالي، قائلاً: "هذا الحديث الشريف من قبل الأحاديث المذكورة التي وردت في الإيمان ومعناه:

 

أـ إما ما ذكره المرحوم المجلسي في تلك الأخبار من أن المقصود من الضرر المنفي هو عدم الخلود في النار أو عدم الدخول فيها، فكون المعنى أن حب علي عليه السلام الذي هو أساس الإيمان وإكماله وإتمامه يبعث على التخلص من النار بواسطة شفاعة الشافعين. وعليه كما قلنا لا يتنافى هذا الاحتمال مع ألوان العذاب في البرزخ، وقد ورد ذلك عن الصادق عليه السلام: "والله ما أخاف عليكم إلا البرزخ، فأما إذا صار الأمر إلينا فنحن أولى بكم".

ب ـ أو ما ذكرناه من أحب الإمام علي يبعث على نور وإيمان يجنبان صاحبهما عن الآثام، ويدفعانه إلى التوبة والإنابة عندما يبتلي بالمعصية من دون أن يفسح المجال أمامه للتمادي في الغيّ والعصيان6.

 

ثم يؤكد قدس سره من ما ورد من قبيل هذه الأخبار قد يخلق توهماً وشبهة عند البعض يكون مآلها الخسران المبين، ولذلك كانت المحبة على قسمين: حقيقية ووهمية، والتولي كذلك صادق وكاذب.

 

4ـ المحبة الحقيقية والمحبة الوهمية:

يشير قدس سره: "إلى توهم بعض الناس أن مجرد ادعاء التشيع وحب التشيع وحب أهل بيت الطهارة والعصمة يسوغ له والعياذ بالله اقتراف كل محرم من المحذورات الشرعية ويرفع عنه قلم التكليف. إن هذا السيء الحظ لم ينتبه بأن الشيطان قد ألبس عليه الأمر فيخشى عليه في نهاية عمره أن تسلب منه هذه المحبة الجوفاء التي لا تجدي

ولا تنفع ويحشر يوم القيامة صفر اليدين وفي صفوف نواصب أهل البيت عليهم السلام. إن ادعاء المحبة من دون دليل وبينة لا يكون مقبولاً إذ لا يمكن أن أكون صديقك وأضمر لك الحب والإخلاص ثم أقوم بكل ما هو مناقض لرغباتك وأهدافك. إن شجرة المحبة تنتج وتثمر في الإنسان المحب والعمل حسب درجة المحبة ومستواها. فإذا لم تحمل تلك الشجرة هذه الثمرة فلابد من معرفة أنها لم تكن محبة حقيقية وإنما هي محبة وهمية.. فمحب أهل البيت صلوات الله عليهم هو الذي يشاركهم في أهدافهم ويعمل على ضوء أخبارهم وآثارهم.. وإن المؤمن إذا لم يعمل بمتطلبات الإيمان وما تستدعيه محبة الله وأوليائه لما كان مؤمناً ومحباً، وإن هذا الإيمان الشكلي والمحبة الجوفاء من دون جوهر ومضمون ينتفي ويزول أمام حوداث بسيطة وضغوط يسيرة"7.

 

5ـ الولاية وقبول الإيمان:

هناك معنيان ترتكز عليهما رؤية الإمام قدس سره في هذا الشأن:

الأول: أنه يستحيل حصول الإيمان بالله تعالى ورسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم دون ولاية أهل البيت عليهم السلام.

الثاني: أنه لو فرضنا إمكانية حصول الإيمان دون ولايتهم عليهم السلام

 

 لما كان مقبولاً على الإطلاق.

يقول قدس سره: "إن الإيمان لا يحصل إلا بواسطة ولاية علي بن أبي طالب وأوصيائه من المعصومين الطاهرين عليهم السلام. بل لا يقبل الإيمان بالله ورسوله من دون الولاية8 .. فهي شرط في قبول الإيمان بالله والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم"9.

 

الولاية وقبول الأعمال:

ينقل الإمام قدس سره في بحثه الشريف مجموعة من الأخبار التي تدل على هذا الأمر، ثمّ يصرّح بأن كون ولايتهم صلوات الله عليهم شرطاً في قبول الأعمال من المسلّمات والضروريات التي لا يشرع إنكارها بحال ولا التشكيك في حقيقتها وإلا حاد الإنسان عن جادة المذهب المقدّس10 الذي أراده رب العالمين.

ومما قاله في هذا الشأن: "إن ولاية أهل البيت عليهم السلام ومعرفتهم شرط في قبول الأعمال، ومن الأمور المسلمة، بل تكون من ضروريات مذهب التشيع المقدس. والأخبار في هذا الموضوع وبهذا المضمون كثيرة"11.

عن الكافي: بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: "... أما لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحجّ جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالاته إليه، ما كان له على الله حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان"12.

وبإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "من لم يأت الله عز وجل يوم القيامة بما أنتم عليه، لم يتقبل منه حسنة ولم يتجاوز له سيئة"13.

وفي حديث عن مولانا الصادق عليه السلام: "... وكذلك هذه الأمة العاصية المفتونة بعد تركهم الإمام الذي نصبه نبيّهم لهم، فلن يقبل الله لهم عملاً، ولن يرفع لهم حسنة حتى يأتوا إليهم من حيث أمرهم ويتولوا الإمام الذي أمرهم الله بولايته ويدخلوا من الباب الذي فتحه الله ورسوله لهم"14.

والولاية كذلك شرط في غفران الذنوب والتجاوز عن السيئات كما هو صريح الحديث الثاني المتقدم.

 ـــــــــــــــــــــ

 هوامش

 

الأربعون حديثاً. ص623.

أصول الكافي ج2 ـ كتاب الإيمان والكفر. باب أن الإيمان لا يضر معه سيئة. الحديث 5.

الأربعون حديث. الإمام الخميني قدس سره. ص512.

مناقب ابن شهر آشوب. ج3. ص197.

أصول الكافي ج2 ـ كتاب الإيمان والكفر باب الطاعة والتقوى الحديث 3.

الأربعون حديثاً. ص629.

7ـ الأربعون حديثاً، ص632.

الأربعون حديثاً. ص631.

م.ن. ص633.

10ـ م.ن. ص632.

11ـ م.ن. ص633.

12ـ أصول الكافي ج2 ـ كتاب الإيمان والكفر حديث 5.

13ـ الأربعون حديثاً. ص632.

14ـ وسائل الشيعة كتاب الطهارة باب 69 من أبوابا مقدمة العبادات الحديث 3.

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©