الأحد ٢٦ / فبراير / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » أهل البيت عليهم السلام »

الفصل الرابع: علاقة الإمام قدس سره بأهل البيت عليهم السلام

28 يونيو 2013 | في الفئة: أهل البيت عليهم السلام | لا توجد تعليقات | الزیارات: 174

الفصل الرابع: علاقة الإمام قدس سره بأهل البيت عليهم السلام

 1ـ العشق:

إن عشق الإمام قدس سره لأهل بيت العصمة والطهارة لا يمكن لأحد وصفه، حيث لا يختلف اثنان في أن الذي قلبه وروحه وعقله طيلة الحياة الشريفة التي قضاها في عالم الدنيا إلى أن غادرها بقلب هادئ ومطمئن مسافراً إلى مقرّه الأبدي هو حبّه اللامحدود لأهل البيت عليهم السلام، فكانوا لسان بيانه وأذنه الواعية وعين بصره وبصيرته، وصوت الحق الذي دوّى في أرجاء المعمورة، وقوته التي انتصر بها على أعدائه وأعداء الله تعالى، فهو العاشق لهم إلى حد أنه قدس سره كلما يرفع نداء (يا حسين) تظلّ دموعه تنهمر على خديه بلا اختيار منه، رغم أنه لم يذرف الدمع أثناء تلقيه خبر استشهاد نجله السيد مصطفى رحمه الله.

لقد ملأ عشقه لهم عليهم السلام كل وجوده وأبعاد شخصيته الفذة إلى الحدِّ الذي كان يرى دوماً بالقرب منهم.

يقول أحد المقربّين منه: كان تصرف الإمام عند زيارته للمشاهد المشرّفة وأضرحة الأئمة المعصومين عليهم السلام وكأنه كان يرى الإمام المعصوم ناظراً إليه وحاضراً أمام عينيه1.

بهذه الروح استمد القائد الكبير للثورة الإسلامية العون من الوجود الشريف للمعصومين عليهم السلام في كل كبيرة وصغيرة بعد الألطاف الإلهية، وهكذا خلال الأحداث الخطيرة كان مرجعه الأول هو المعصوم عليه السلام. يقول أحد معاونيه: "كتب الإمام رسائل إلى علماء المدن، وأمرني أن أذهب إلى محافظات خراسان وسيستان وبلوشستان لأوصل رسائله ونداءه إلى العلماء. عندما وصلت لتوديعه وسلمني الرسائل، قال: قبل أن تقابلوا أي شخص تشرفوا أولاً بزيارة الحرم المطهر لثامن الأئمة علي بن موسى الرضا عليه السلام وقولوا له نقلاً عن لساني: قد استجد أيها السيد أمر عظيم جداً، ومسألة خطيرة، ونحن اعتبرنا تكليفنا أن نثور ونتحرك، فإن كان ذلك مما يرضيك فأيدنا"2.

 

2ـ التعظيم:

لقد كان الإمام قدس سره العارف الحقيقي الواصل إلى كعبة مقصوده، يعلم ما يستوجب المقام الشامخ والمنزلة الرفيعة لأهل الولاية الإلهية آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من تقديس وتكريم واحترام بالغ يفوق العادات المعروفة والأنماط المألوفة بين سائر الناس، لذلك كان قدس سره إذا مرّ على ذكر اسم أحد المعصومين عليهم السلام أخذته الهيبة حينما يردّده بعزّة وتعظيم كاملين، مع التقدير العالي لأحاديثهم صلوات الله عليهم واتباع مقاصدهم وأفكارهم وعقائدهم وإحياء مناسبات ولادتهم وشهادتهم.

كيف لا وهذا إمامنا الصادق عليه السلام كان كلما لهج باسم جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو جالس يحني رأسه الشريف إلى مستوى ركبتيه.

والإمام قدس سره الذي لم يذكر أستاذاً من أساتذة الكرام إلا وعقّب بالقول "روحي فداه"، فكيف علاقته مع المعصومين عليهم السلام؟!

يذكر لنا أحد المتشرفين بخدمته مدى اهتمامه بتعظيم وإحياء سائر ما يرتبط بأهل البيت عليهم السلام قائلاً: "طوال المدة التي كان خلالها الإمام في النجف الأشرف كان يقيم مجالس العزاء في منزله في جميع ليالي شهادة المعصومين عليهم السلام، وفي ذكرى رحيل السيدة الزهراء عليها السلام كان يتسمر في إقامة المجلس لثلاثة ليالي، وكان بكاؤه مشهوداً في جميع هذه المجالسة دون استثناء"3.

 و في مكان آخر يقول:" بمجرد أن يشرع أحد الأخوة بقراءة مجلس المصيبة يبدأ الإمام بالبكاء بصوت عالت وتنهمر قطرات الدمع على خديه كمثل حبّات اللؤلؤ4.

ومما تجدر الإشارة إليه أن كل الأعباء والعناء الذي عاناه الإمام قدس سره واهتمامه بالأمور السياسية وسائر شؤون البلاد والعباد لم يكن ليمنع أو يحول بينه وبين المحافظة والحرص على إحياء وإظهار مظلومية الأئمة عليهم السلام، فنراه في التاسع من شهر محرم يأمر بإقامة مجلس عزاء في باريس بحضور جمع من المراسلين الذين جاءوا لمقابلته قدس سره قبل ساعة من وقت الظهر5.

 

3ـ الزيارة:

إن المنزلة الخاصة لزيارة التربة المطهرة للمعصومين عليهم السلام والشهداء والصديقين في ثقافة الولاية والثورة غير خافية على أحد، وهي مصدر إلهام وتسديد لذوي الارادات الربانية في الجانبين العلمي والعملي. وقد دأب الأنبياء والأولياء العظام وأئمتنا الأبرار خصوصاً على زيارة المراقد المشرّفة أو من بعيد طيلة حياتهم الشريفة. لذلك كانت محافظة الإمام قدس سره شديدة في أن لا يمر يوم واحد أثناء وجوده في النجف الأشرف دون زيارة حضور مولى الموحدين (صلوات الله عليه، فمن اليوم الأول الذي وصل فيه إلى النجف وإلى اليوم الذي غادر فيه، كان يأتي كل ليلة بعد حوالي ثلاثة ساعات من غروب الشمس في الصيف والشتاء لزيارة حرم الأمير عليه السلام، ولم يكن ليترك هذا البرنامج أبداً حتى في السنة التي وقع فيها الانقلاب في العراق، وأعلنت الحكومة العسكرية، فإنه في تلك الليلة لم يترك الزيارة أيضاً ولم يعدل عن برنامجه اليومي المقرّر.

يقول السيد مصطفى قدس سره: "في تلك الليلة بحثنا عن الإمام فلم نجده داخل غرفته، فجلنا في أماكن مختلفة من البيت، لكننا لم نجده إلى أن صعدنا إلى السطح فرأيناه

وقف متوجهاً إلى حرم أمير المؤمنين عليه السلام يقرأ الزيارة"6.

 

آداب الزيارة:

كان تشرّف الإمام قدس سره بزيارة حرم أمير المؤمنين عليه السلام يحصل وفق آداب خاصة، يجدر بنا الالتفات إليها والاستفادة منها، فقد كان لا يدخل قبل الاستئذان حيث يبدأ بقراءة إذن الدخول بكمال الأدب والوقار والتعظيم والإجلال، فإذا انتهى يدخل الحرم المطهّر من الجهة السفلى للضريح المقدس، مراعياً ومتقيّداً بأن لا يمر من جانب الرأس الشريف لحضرة الأمير عليه السلام. وعندما كان يصل إلى مقابل الضريح المشرّف يقرأ بكل إخلاص زيارة (أمين الله) أو زيارة أخرى، ويرجع مجدداً من الجهة السفلى عند قدمي حضرة الأمير عليه السلام ويجلس في الزاوية يقرأ الزيارة والدعاء ثم يصلي ركعتين، وبعدها يترك الحرم مغادراً ببدنه باقياً بروحه مع مراعاة الآداب الخاصة بالخروج7. هذا ما كان يواظب عليه أثناء وجوده في النجف الأشرف. أما حينما يكون موجوداً في كربلاء كان يقضي أغلب أيام الزيارة في جوار ضريح سيد الشهداء صلوات الله عليه ويقرأ كل يوم زيارة عاشوراء مع تكرار كل من السلام واللعن الواردين في نهايتها مئة مرة. وأما في الفترة التي تواجد فيها سماحته في قم المشرفة كان يتوجه كل يوم بعد درس الصباح وأحياناً بعد درس العصر إلى الحرم المطّهر للسيدة المعصومة سلام الله عليها ولم يكن يترك المشاركة في صلاة الجماعة التي تقام في الحرم ويقرأ عادة الزيارة الجامعة هناك8.

لم ينقطع توسله بهم صلوات الله عليهم في كل صباح ومساء، ولم يشتغل بشيء إلا وكانوا يسكنون في عمق ضميره وأبعاد روحه في كل حركة وسكون، حتى حينما كان يمشي يومياً لمدة ساعتين أثناء سكناه في طهران في الآونة الأخيرة، فإن لسانه لا يتوقف عن ذكرهم طيلة المسافة مع جهد الطريق9.

 

4ـ التمسك بأدعيتهم عليهم السلام:

 يعتبر الإمام قدس سره الأدعية الصادرة من أهل بيت العصمة عليه السلام منطلقاً هاماً للإنسان كي يجني فوائد عظيمة ويركز علاقته بالله تعالى، لذلك تمسك بها وكان للمناجاة الشعبانية مكانة خاصة في كل مفاصل حياته الشريفة. يقول قدس سره: "إن هذه المناجاة في الحقيقة تعد الإنسان وتهيؤه للقيام، ولعل السبب في التركيز عليها هو هذا لكي يصبح الإنسان على استعداد والتفات ليجني الفوائد العظيمة من الصوم. لقد كان الأئمة عليهم السلام يوضحون كثيراً من المسائل بواسطة الأدعية. أسلوب الدعاء يختلف كثيراً عن الأساليب الأخرى التي كانوا يستعملونها لبيان الأحكام والمسائل الإيمانية والعقيدية، وكل المسائل المرتبطة بمعرفة الله تعالى، كانوا يبينونها في الأدعية وبأسلوبها. من المؤسف أن نقرأ هذه الأدعية ونمر عليها دون أن نتأمل فيها بما تحمله من معاني رقيقة، ودون أن نعرف ماذا يريد الأئمة عليه السلام أن يقولوا"10.

 ــــــــــــــــــــــــ

هوامش

 1ـ المذكرات الخاصة. ج1. ص120.

م.ن120.

المذكرات الخاصة. ج5. ص71ـ72.

م.ن. ج2. ص55ـ56.

5ـ م.ن. ج1. ص48ـ49.

المذكرات الخاصة ج1، ص95ـ96.

المذكرات الخاصة. ج1. ص122.

8ـ مجلة "الحوزة"، العدد 37، ص64.

9ـ الإمام قدوة. ص17.

10ـ الجهاد الأكبر. الإمام الخميني قدس سره, ص44.

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©