الخميس ٣٠ / مارس / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » البسملة »

الدرس الرابع

29 يونيو 2013 | في الفئة: البسملة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 94

الدرس الرابع

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.

"باء" البسملة ليست سببية

يستفاد من الأحاديث السابقة أنّ "الباء" في البسملة ليست الباء السببية ـ بالمعنى الذي يقوله أهل الأدب ـ فالموضوع أصلاً ليس من باب السببية والمسببية بل وإن في الحديث عن فاعلية الحق، لا محل للعلة والمعلولية وافضل تعبير عنه هو ما ورد في القرآن الكريم فمرة ورد التعبير بالتجلي "تجلى ربه ..." وأخرى بالظهور: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} وهذه غير قضية السببية والمسببية فهنا تمايل لا يقتضي وجوده في  ذات الحق تعالى مع الموجودات، لذا يجب أن نحمل السببية على معنى موسع لكي تشمل قضية التجلي وقضية الظهور أو أن نقول أن "الباء" ليست باء السببية و "به" كذا وباسم الله كذا بظهوره، وكذلك مع تجليه، وكذا بالحمد بسم الله أو تجلي الله، لا من باب أن الحمد مسبب للاسم ولا أتذكر أنه ورد في الكتاب أو السنة التعبير بالسببية أو العلية فهذه مصطلحات فلسفية وردت على لسان الفلاسفة أما في القرآن والسنة فلم يرد التعبير بالسببية عن هذا المعنى ـ على ما أتذكر ـ بل وردت فيهما تعبيرات عنه بالخلق والظهور والتجلي.

قضية حديث النقطة تحت الباء

وهناك جنبة أخرى وفيها حديث شريف، وهي قضية النقطة تحت الباء وبالنسبة للحديث ومدى صحته، وهل أنه وارد أم لا؟! لعل الشواهد تدل على عدم صحة وروده، والحديث منسوب إلى الإمام علي (سلام الله عليه) أنه قال: " أنا نقطة تحت الباء" (راجع شرح فصوص الحكم للقيصري (ص36) الورق (18) من المقدمة والحديث هو بداية خطبة) ولو صح فتأويله هو أن الباء هي بمعنى الظهور المطلق، والتعين الأول عبارة عن مقام الولاية فلو صحت نسبة هذا القول للأمير فيكون مقصوده (عليه السلام) هو أن مقام الولاية ـ بالمعنى الحقيقي للولاية أي الولاية العامة ـ هو التعين الأول.

الولاية الأحمدية والعلوية

الاسم هو التجلي المطلق، والتعين الأول له هو تعين الولاية الأحمدية والعلوية وحتى لو لم يرد هذا المعنى فالقضية هي على هذا المعنى فهناك تجلي مطلق يكون تعينه الأول هو المرتبة الأعلى للوجود وهي مرتبة الولاية المطلقة.

وهذا الاسم يكون مرةً لمقام الذات، حيث اسمه الجامع هو "الله" والأسماء الأخرى ظهورٌ للرحيمية والرحمانية و.. وهي جميعها تجليات الاسم الأعظم.

"الله" هو الاسم الأعظم والتجلي الأول والأسماء منها ما هي في مقام الذات ومنها في مقام التجليات بالاسمية وهناك أيضاً أسماء التجلي الفعلي الذي يقال لقسم منه مقام الأحد، وللآخر مقام الواحدية وللثالث مقام المشيئة ومثل هذه المصطلحات، ويحتمل أن تكون مقامات الأسماء الثلاثة هي المقصودة بالآيات الأخيرة من سورة الحشر، حيث ذكرت في آياتها الثلاثة الأخيرة بثلاثة أشكال وهي  {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم } {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون} {هو الله الخالق البارئ المصور}..

فالاسم في مقام الذات يناسب الأسماء الواردة في الآية الأولى، والاسم بالتجلي الصفاتي يناسب الصفات الواردة في الآية الثانية فيما التجلي الفعلي يناسب ما في الآية الثالثة {هو الله الخالق البارئ المصور} والتجلي الفعلي هو على ثلاثة أنماط، تجلي الذات للذات، والتجلي في مقام الأسماء، والتجلي في مقام الظهور ولعل: {هو الأول والآخر} يعني وكأن الآخرين أصلا هم نفياً منفياً {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} فكل ظهور هو وليس منه هو الظاهر وهو الباطن وهو الأول وهو الآخر.

لا فصل بين التجلي والمتجلي

هناك مراتب للتجليات ولكن ليس بحيث تكون مستقلة عن المتجلي لا شك أن تصور الأمر صعب ولكن تصديقه بعد ذلك يسير.وقد يكون "الله" اسماً لهذا التجلي في مقام الصفات، ولو كان كذلك يكون "اسم الله" "بسم الله" اسما لظهور ذلك التجلي على

النحو الجمعي وهذا لا يتعارض مع كلا الاحتمالين الذين تحدثنا عنهما سابقا بل ينسجم مع كليهما، لأن هذه المسائل ليست على نحو الاستقلال وكافة هذه القضايا يجب أن نمررها على نحو النقص.

وهناك قضية أخرى ترتبط بجميع هذه القضايا والمباحث وهي أننا نتعرف إلى الواقعيات مرة بالحواس التي لدينا وأخرى بما ينتزعه العقل ويدركه منها، وثالثة بحسب مقام القلب وما يدركه منها ورابعة في مقام الشهود وأمثال هذه المعاني.

وغاية ما تصله إدراكاتنا نحن هي المدركات العقلي إما بالقدم البرهانية أو ما يشبه الاستدلال، فالواقعيات حسب تصورنا هي التي نفهمها بمدركاتنا العقلية ولكن عندما نرتفع درجة عن هذه المدركات نفهم أن ا لواقعيات هي الذات المقدسة وتجلياتها: بأي نحو كان إدراكاتنا نجد هذا.

وواقع الأمر هو أن لا مقابل للحق تعالى أي ليس هناك موجود مقابل ـ مستقل عنه ـ بل إن مقابل الوجود المطلق لا معنى له أصلاً فالموجود هو الذات المقدسة وتجلياتها سواء التجلي في مقام الذات، أو في مقام الصفات، أو في مقابل الفعل، ونفس الآيات التي نشير إليها أحيانا يمكن أن تكون شاهدا على أن {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} فواقع الأمر هو أن لا مقابل للحق تعالى، مرةً نتساءل ـ وبحسب إدراكناـ ما الذي أدركناه وما هو إدراكنا العقلي؟! وهل أننا أوصلناه إلى القلب ليصبح اسمه إيمانا؟! أو هل تحركنا بقدم السير ليكون اسمه عرفانا ومعرفة إلى غاية ما يستطيع الإنسان الوصول إليه؟!

وتلك هي قضية إدراكنا للواقعيات على ما هي عليه ولكن الواقع عندما يحسب بحسب الواقع  ـ فما من شيء سوى الحق تعالى، كل ما هو موجود هو والتجلي هو تجليه، ولا يمكننا أن نجد مثالا منطقيا و " ظلٌ وذو ظل " ناقصٌ أيضاً الذات والتجليات والبحر والأمواج.

ولعل أقرب الأمثلة الموضحة هو مثال موج البحر، فالموج ليس خارجا ـ مستقلا ـ عن البحر بمعني هناك موج وهناك بحر، بل هناك موج البحر هذه الأمواج الحاصلة إنما هي البحر يتموج، ولكن عندما ننظر إلى الأمر بسحب إدراكنا، نرى بحراً وأمواج البحر كأنه هناك بحرٌ وموجٌ، ولكن الموج معنى عارض للبحر وحقيقة الأمر أن ليس هناك سوى البحر وموج البحر هو البحر، وكذلك حال العالم فهو " كموج".

وبالطبع فهو مثال والحال هو مثلما قال القائل " حثوا التراب على مفرقي وعلى مثالي" فالأمر لا مثال له، نحن عندما نريد أن نلج في هذه المسائل نطرح حسب إدراكنا تصورات عامة من قبيل اسم الذات واسم الصفات واسم الأفعال والمقام الفلاني وهكذا وهي نفسها مفاهيم في مفاهيم والإدراك إدراك مفهومي.

أما المرتبة الأخرى فهي أن ندرك ما وراء هذه المفاهيم نثبت برهانياً أن الحقيقة هي هذه، ولكن المنهج البرهاني عندما يستدل على أن الموجود هو الذات وتجلياتها ولا شيء غيرها، يقول أن صرف الوجود والوجود المطلق هو الوجود الذي لا يقيد قيد و"أنت وجودنا المطلق" فلو كان له حدُّ أو نقص فما هو بوجود مطلق، فالوجود المطلق ليس له أي تعين أو نقص وإذا كان كذلك فهو يشمل تمام الوجود، ولكنّ "تمام "

هذه ناقصة أيضاً، أي أنه لا يمكن أن يكون فاقداً لحيثية ما، فجميع أوصافه هي مطلقة لا على نحو التعين لا رحمانية متعينة ولا رحيمية متعينة ولا إلوهية متعينة.

فقدان أي كمال يؤدى إلى التعين

عندما يكون النور مطلقاً يصبح بلا تعين وبذلك يجب أن يكون جامعا لكافة الكمالات، لأنّ فقدان أيّ كمال يوجب "التعين" فلو كانت هناك نقطة نقص واحدة في مقام الربوبية، أو لم تكن هناك ولو نقطة وجود فقط ـ بل وما دون النقطة من العدم لخرج عن الإطلاق وأصبح ناقصا ممكناً ولم يكن واجب الوجود فالواجب كمال مطلق وجمال مطلق.

من هنا فعندما نعتبر "الله" وبحسب المنهج البرهاني الناقص ـ اسماً للذات المطلقة ولها كافة التجليات، فيجب أن يكون جامعاً لكافة الأسماء والصفات جامعاً لكافة الكمالات كمالاً مطلقاً دون أي تعين، وهذا لا يمكن أن يكون فاقداً لأي شيء وإلاّ لم يكن كمالاً مطلقاً بل كان "ممكناً" والممكن هو ناقص مهما كانت درجة الكمال التي يصلها فبمجرد خروجه عن مرتبة الإطلاق يدخل حدود الإمكان، الوجود المطلق واجد لكل شيء لكل الكمالات، البرهان يقول: "صرف الوجود كل الأشياء وليس بشيء منها " (العبارة متكررة في معظم المتون الفلسفية خاصة مصنفات المولى صد الدين الشرازي ومن بعده راجع "الأسفار الأربعة " (ج6، ص 211) وما بعدها) كل الأشياء لكن لا بالتعينات، واجدٌ لكل وجود ولكن لا على نحو التعين بل على نحو الكمال المطلق.

وحيناً يكون هذا الكمال المطلق ـ عندما نحسب واقع الأمر ـ يكون في كل الأسماء فهذه ليست مستقلة بل هي نفس أسماء الذات غير منعزلة ونفس الخصوصيات الموجودة في اسم "الله" موجودة في "الرحمن" فيصبح هذا كمالاً مطلقاً {إدعو الله أو إدعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} (سورة الإسراء بني إسرائيل آية 110) سواء "الله" أو " الرحمن" أو "الرحيم" وسائر الأسماء فـ {له الأسماء الحسنى} وهذه موجودة أيضاً في جميع صفات الحق تعالى، ولكونها على نحو الإطلاق فلا حدود بين الاسم والمسمى واسم واسم آخر، فهي ليست مثل الأسماء التي نطلقها على شيء ما باعتبارات مختلفة.

عندما نقول "نور" و "ظهور" فلا يعني ذلك أنه من جهة نور ومن أخرى ظهور، بل إن الظهور هو عين النور، والنور أيضاً عين الظهور، وبالطبع فهذا المثال ناقصٌ أيضاً، الوجود المطلق كمالٌ مطلق في كل شيءٍ مطلق، جميع الأوصاف هي على الإطلاق بحيث لا يمكننا فرض أي شكل من الاستقلالية (يقول السهرودي مؤسس فلسفة الإشراف "صرف الوجود الذي لا أتم منه كلما فرضته ثانيا فإذا نظرت إليه هو هو " التوحيد العلمي والعيني ص 139)

المشاهدة فوق البرهان والعمى

هذا بحسب القدم البرهانية وهذا ما يقوله البرهان، يقال أن أحد العارفين قد قال "أنني حيثما ذهبت جاء هذا الأعمى بعصاه " ومراده هو الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا، ومقصودة من هذا القول هو أن كل ما وجده ووصله أدركه برهانياً هذا الأعمى ولكن بعصا البرهان وصل إلى ما وصل إليه هذا العارف بقدم العرفان والمشاهدة وعلى هذا التفسير قالوا أن مقصوده من الأعمى  هو ابن سينا.

وأصحاب البرهان ـ كما يقول ـ نحن العمي، فعندما لا تكون مشاهدة يعني أن عناك "عمى" فحتى بعد أن نبرهن استدلالياً على التوحيد المطلق والوحدة المطلقة وأن مبدأ الوجود هو الكمال المطلق، فالأمر برهان أيضاً، والمحجوبية هي خلف جدار البرهان والمهم أن تصل ـ بالمجاهدة والسعي ـ حقيقة أن "صرف الوجود كل شيء" إلى القلب فيدركها وحال قلوبنا كحال الطفل الذي يجب أن تلقنه كلمة بعد أخرى وعلى الذي أدراك تلك الحقائق عقلياً أن يوصلها قلبه بطريقة التلقين كلمة كلمة بالتكرار والمجاهدة وأمثال ذلك.

فإذا وصلت هذه الحقائق إلى القلب ووعاها وأدراك أن "صرف الوجود كل الكمال" فهذا هو الإيمان، الإيمان يتحقق عندما يصل إلى القلب هذا الإدراك العقلي والتصورات المفهومية التي أقيم عليها البرهان، وعندما يصل إلى القلب هذا المعنى القرآني البرهاني ويقرأ بالقلب ما قرأه بالعقل، وعندما يعلم القلب ذلك بالتكرار والرياضيات والمجاهدات عندها يؤمن القلب بأن "ليس في الدار غير ديار" (راجع ص 147 من رسالة لب اللباب في سير وسلوك أولي الألباب (بالفارسية) وهي تقديرات السيد الطهراني لدروس أستاذه العلامة الطباطبائي ـ قدس سره  ـ في العرفان) ولكن هذه أيضاً هي مرتبة من الإيمان، بل وحتى مرتبة {ليطمئن قلبي}  (إشارة إلى قصد دافع إبراهيم (عليه السلام) من ربه مشاهدة إحياء الموتى وتقطيع الطير وإحيائه المذكورة في القرآن) هي غير تلك التي كانت للأنبياء فقد كانت لهم قدم المشاهدة وهي فوق ذلك، لهم مشاهدة جمال الحق تعالى {تجلى ربه للجبل} تجلى لموسى الذي كانت له محطات ثلاثون ليلة في البداية ثم أصبحت أربعين وجاءت بعدها تلك الوقائع بعد أن رحل عن منزل شعيب "ولد زوجته" وسار بأهله قال لهم: {إني أنست ناراً} (إشارة إلى قصة دافع إبراهيم (عليه السلام) من ربه مشاهدة إحياء الموتى وتقطيع الطير وإحيائه المذكورة في القرآن)هو أدراك هذه النار أما أهله فلم يروها أصلاً، بعد ذلك ذهب إليها: {لعلي أتيكم منها بقبس} (سورة طه مقاطع من الآية 10) وعندما اقترب منها جاء النداء {إني أنا الله} (سورة طه مقاطع من الآية 10 والآية 14) هذا النداء جاء من نفس تلك النار التي كانت في الشجرة، وقدم المشاهدة يعني أن موسى شاهد ما ذهب إليه ذاك الأعمى بالعصا وذاك العارف بالقلب.

هذه كأقوال نحسن التحدث بها نحن، وأنت تستمعون إليها بآذانكم ولكن الحقائق هي أسمى، {أني أنا الله} والنور الذي كان في الشجرة هذا النور لم يكن يستطيع رؤيته سوى موسى (عليه السلامّ) مثلما هو الحال مع الوحي الذي كان ينزل على رسول الله (ص) فمن ذاك الذي كان يستطيع أن يفهم ما هو هذا الوحي؟! وما هو أصله؟!  والقرآن الذي نزل على قلب رسول الله دفعة واحد جميعه ما هو؟! فلو كان هو هذا القرآن ذي الثلاثين جزءً فنزوله دفعةً واحدة على قلب عادي أمر محال.

القلب بابُ أخرى والقرآن حقيقة وهي ترد إلى القلب، القرآن سرُّ، وسرُّ السر، وسرُّ مستسرٌ بسرٍّ، وسرُّ مقنع بسر، ويجب أن يتنزل وينزل إلى الأسفل ويتنزل حتى يصل إلى هذه المراتب النازلة، وحتى وروده على قلب رسول الله كان تنزلاً، تنزّل حتى دخل القلب، ومن هناك يجب أن يتنزل أيضاً إلى أن يصل إلى حيث يفهمه الآخرون أيضاً، وهكذا حال الإنسان، فهو أيضاً سرُّ وسرُّ وسر، نحن نرى من الإنسان هذا الشيء الموجود، حيوانٌ، هذا الحيوان الموجود ولا غير، بل وهو حيوانٌ أسوأ من سائر الحيوانات، ولكن له خصوصية هي إمكانية وصوله إلى الإنسانية وإلى مراتب الكمال والكمال المطلق حتى إلى حيث لا تصل أوهامنا ثم ينعدم.

ما ندركه هي الأعراض

كل ذلك سرُّ وأسرار، والظاهر هو هذا، وفي عالم الطبيعة هذا أيضاً سرُّ هناك مسألة وهي أنكم لا تستطيعون فهم ماهية الأجسام، ولا نحن نستطيع ذلك، ولا نستطيع إدراك "الجواهر" وكل ما ندركه هو "الأعراض" عيوننا ترى الألوان وما شابه، آذاننا تسمع الصوت وحاسة الذوق تدرك الطعم، وحاسة اللمس تدرك الظواهر، ولحل ذلك أعراض، وعندما يريدون تعريف جسمٍ ما يقولون أنه الشيء الذي له عرض وعمق وطول وهذه هي من الأعراض أيضاً.

الذي له جابية فمن الأعراض، إذْ كل ما تريدون تعريفه به أوصاف الأعراض إذن فأين هو الجسم؟! الجسم أيضاً هو سر إذن، الظل هو سر، فظل نفس الأحدية هو الأسماء والصفات أياً كانت، فالمعلوم لنا هو الأسماء والصفات أما نفس الصفات أما نفس العالم فهو غيب أسماءه وصفاته ظاهرة ولكنه نفسه غيب ولعل إحدى مراتب "الغيب والشهادة" هو أنّ العالم الطبيعة أيضاً غيب وشهادة، فغيبُهُ ما غاب عنا فلا نستطيع أن ندركه بحال إذْ أنّ أي شيء تريدون تعريفه إنما تعرفونه بالأوصاف والأسماء والآثار وما شابه، فأي سبيل لتعريفكم له غير هذه؟!

ناقص هو إدراك الإنسان لظل السر المطلق، إلا إدراك من وصل بقدم الولاية إلى حيث يدخل قلبه تجلي الحق تعالى بكافة أبعاده، وهذا السر موجودٌ في كل شيءٍ، أي أن الغيب والشهادة يسريان في كل مكان.

 

سعة عالم الغيب

في وقتٍ ما كان يُقال أن عالم الغيب هو ـ مثلا ـ عالم ملائكة الله عالم العقول ونظائر هذا التفسير، ولكن لنفس هذا العوالم سرّاً وظاهراً ظهوراً وبطوناً، وهذا نفسه في: "هو الظاهر والباطن " فهناك بطون  في نفس الشيء الذي ظهر فيه، وفي نفس هذا البطون ظهور، وعلى هذا فإن جميع أسماء الحق تعالى واجدة لجميع مراتب الوجود، فكل اسمٍ هو جميع الأسماء، فالأمر ليس أن الرحمن صفة واحدة أو اسماً واحداً، والرحيم اسم مقابل وكذا الحال مع المنتقم هذه لو كانت من الأسماء فجميعها حاوية لكل شيء: {أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} فجميع الأسماء الحسنى موجودة في الرحمن وموجودة في القيوم وفي الرحيم، وليس الحال أن أحدها يحكي شيئاً ما والآخر يحكي عن شيء آخر، فذلك يعني أنّ يكون الرحمن حاكيا لحيثية ما موجودة في ذات الحق تعالى، وغيره يكون حاكياً لحيثيةٍ أخرى، وبذلك تكون ذات الحق تعالى مجمعاً للحيثيات، وهذا محال في الوجود المطلق، الوجود المطلق هو رحمن بوجوده المطلق ورحيم بوجوده المطلق رحمن بتمام الذات ورحيم بتمام الذات، ونورٌ بتمام الذات و"الله " بتمام الذات، فلا تكون رحيميته شيئاً ورحمانيته شيئاً آخر.

أولئك الذين يسمون علواً بقدم المعرفة حتى يصلون إلى حيث تتجلى الذات بتمام التجليات، وبالطبع ليس الذات بل على نحو التجلي في قلوبهم، وقلوبهم ليست من هذه القلوب، بل القلب الذي يدخله القرآن، القلب الذي فيه مبدأ الوحي القلب الذي يتخذه جبرائيل منزلاً، في هذا القلب تتجلى الذات بذاك التجلي الجامع لكافة التجليات وهو نفسه الاسم الأعظم والمتجلي بتجلي الاسم الأعظم، والاسم الأعظم هو نفسه " نحن الأسماء الحسنى " (تقدم ذكر مصدره).

الاسم الأعظم هو نفس رسول الله، وهو أعظم الأسماء في مقام التجلي.

 

وجوداتنا تجليات

وعلى ما تقدم، فالذي جرى الحديث عنه الليلة: هو أولاً قضية السببية فيجب أن لا نعتبرها في موضوع الحديث مثل سائر أشكال السببية ولا يمكننا أن نشبهها بمثالٍ ما إلا على بعض الأمثلة البعيدة، هذا أولاً وثانيا أن حديث نقطة الباء لو صحت نسبتهـ يعني ما أوضحت تأويله آنفاً، وثالثاً أن الاسم هو بمراتب اسم الذات، فاسم في مقام الصفات، واسم في مقام التجلي الفعلي، تجلي الذات على الذات، وتجلى الذات على الصفات وتجلي الذات على الموجودات تجلي نقول إذا أردنا تفسيره أن وجوداتنا هي تجلي، نورٌ متكثر في المرايا (والمثال هنا بعيد أيضاً) وأما إذا وضعتم هنا مائة مرآة ينعكس فيها هذا النور أو نور الشمس، فستقولون باعتبار واحد مائة نور، النور نور المرآة، ونور المرآة هو نفس ذلك النور إلا أنه محدود، مائة لكنها نفس هذا النور، نفس تجلي الشمس هذا، فنور الشمس يظهر في مائة مرآة، والمثال كما قلت بعيد.

التعين لازمة التجلى

تجلي الحق تعالى موجود في هذه التعينات، ولكن ذلك لا يعني أن هناك تعيّناً ونوراً، بل إن النور عندما يتجلي فيكون التعين لازمه، وعليه يكون الاسم في {بسم الله الرحمن الرحيم} هو اسم مقام الذات، واسم "الله" هو ظهور الذات بجميع التجليات، اسم نفس هذا الظهور والتجلي الجامع وكذلك الرحمن والرحيم فهي ظهورات لهذا التجلي الجامع أيضاً، لا بمعنى أنّ رحمانه شيء ورحيمه شيء آخر، بل اعتبروا أن الله والرحمن والرحيم وهي ثلاثة أسماء لشيء واحد، كلها تجلي واحد لجميع الذات، فالله تجلى بتمام الذات وكذا الرحمن وكذا الرحيم وغير ذلك محال وإلاّ كان محدوداً ممكناً.

وعلى أساس ذاك الذي تحدثنا عنه حول أن التعلق هو بالحمد يكون أيضاً الاسم الإلهي الجامع للظهور "الله" حاوياً للرحمن والرحيم بذاته، فتقع له جميع الحامد أو الحمد المطلق (على ضوء الاحتمالين المذكورين سابقا) كما نعتبر الاسم، والله، تجلياً جامعاً في مقام الصفات، الاسم هو التجلي الجامع في مقام الصفات تلك المشيئة المطلقة التي يقع بها كل شيء وباسم "الله" نعتبر "الله" تجلياً جامعاً في مقام الفعل، اسمه نفس الحقيقة في مقام الظهور كوصف الله بالرحمن والرحيم وكل واحد من هذه الأسماء يكون الكلام فيه على نمط خاص عندما ننظر إليه في الآية الكريمة.

وإلى هنا نكون قد تحدثنا عن أسم "الله" هو الاسم الجامع ومقام الذات ومقام الصفات ومقام التجلي بالفعل في الآية الكريمة وتحدثنا عن الاسم وعن "الله" وعن الباء في البسملة وعن نقطتها، وهناك فيما يتعلق بالرحمن الرحيم، مسائل يجب أن نمر عليها بصورة مختصرة سريعة، والرجاء أن نصدق بوجودها، فبعض القلوب منكرة من الأساس وبعض الأشخاص ينكرون كافة قضايا المعارف، فالذي في المنزل الحيواني لا يستطيع أن يصدق أن هناك شيئاً وراء هذا المقام الحيواني.

عدم الإنكار هو الخطوة الأولى

يجب أن نصدق بتلك الحقائق، والخطوة الأولى للإنسان الذي يريد أن يحدث تحركا في نفسه هي عدم الإنكار، لا ينبغي للإنسان أن ينكر كل ما لا يعلمه ويبدو أن الشيخ الرئيس ابن سينا هو صاحب القول بأن المنكر لشيء دون برهان خارج عن فطرة الإنسان، فمثلما أن إثبات شيئٍ ما يحتاج إلى برهان كذلك الحال مع النفي فهو يفتقر إلى برهان أيضاً، فمرةً تقول لا أعلم وأخرى تنفي، هناك أشخاص قلوبهم فيها جحود، فهي مُنكر تنكر كلّ شيء لكونها لا تستطيع فهمه، وأصحابها يخرجون بهذا الجحود عن الفطرة الإنسانية، فالإنسان يجب أن يكون قبوله لفكرة ما مستند إلى برهان وكذلك نفيه لها عن برهان ودليل، فإن لم يكن لديه برهان على النفي أو الإثبات فعليه أن يقول: لا أعلم أو: قد تكون الفكرة صحيحة، كل ما تسمعه أحتمل صحته " كل ما قرع سمعك ذرة في بقعة الإمكان" فقد يكون صحيحاً أو غير صحيح فلماذا الإنكار؟!

إن علمنا لا يصل إلى ما وراء هذا العالم وما توصلنا له من هذا العالم فهو ناقص أيضاً، فلا زالت المجاهيل كثيرة، وإلى ما قبل قرن من الزمان كانت هناك الكثير من المجهولات التي أصبحت اليوم معلومة وستتضح مستقبلا غيرها.

فإذا كنا لم نستطع أن نفهم هذا العالم ولم يستطع الإنسان أن يعرفه فما هو مبرر إنكاره لما عند الأولياء؟! هذا القلب قلب "إنكاري" محرومُ كليّاً من دخول  الحقائق والأنوار إليه، ولهذا فالذي لا يعلم يُنكر ولا يقول: لا أعلم فيصف ما يقوله أهل المعرفة بأنه نسيج أوهام، وسر قوله ذلك هو كونه محروم إذْ أنّ ما يصفه بأنه "نسيج أوهام" موجود في القرآن والسنة فلماذا ينكره الإنسان؟!

إنكار المجهول نمط من الكفر

هذا الإنكار هو مرتبه من مراتب الكفر ـ ليس الكفر الشرعي ـ مرتبة من الكفران فإحدى مراتب الكفر أن ينكر الإنسان ما يجهله، وجميع مصائب الإنسان ناشئة من هنا، من لجوئه إلى جحود سلسلة من الحقائق الواقعية لكونه لا يستطيع أن يدركها من جحوده لدى أولياء الله لكونه لا يستطيع الوصول إليه.

هذا الكفر الجحودي هو من أسوأ أقسام الكفر، والقدم الأولى لحركة الإنسان هي أن لا يجحد الحقائق الواقعية الموجودة في الكتاب والسنة، والتي يقول بها الأولياء وكذلك العرفاء والفلاسفة حسب سعة إدراكهم، فعلى الإنسان أن لا يجزم بعدم ما لا يدركه، جحود هو ولا ريب قلب ذلك "الرُجيل" الذي يريد وضع الله تحت سكاكين التشريح ويقول: " لن أؤمن بالله ما لم أشرحه بهذه السكين التي أشحذها".

الخطوة الأولية هي أن لا ننكر ما قاله الأنبياء والأولياء فلو أنكرنا لن نستطيع أن نخطو الخطوة الثانية، فالإنكار يمنع الإنسان من الحركة والمنكر لوجود شيء لا يراه لن يستطيع متابعة السي،ر فعلى من يريد التحرك للخروج من هذه الظلمات أن يحتمل صحة تلك الأقوال ولا ينكرها وإلاّ بقي خلف جدار الإنكار إلى النهاية، عليه أن يسأل الله أن يفتح له باباً للسير، فهو فتاح الأبواب، عليه أن يسأل الله أن يفتح له سبيل الوصول إلى ما يجب عليه الوصول إليه.

الله لا يخيب من سأله

فإذا أجتنب الإنكار وسأل الله أن يفتح له سبيلاً، تفتح له بعض السبل ولن يخيبه الله ورجائي أن نخرج نحن من دائرة الإنكار، فلا ننكر ما ورد في القرآن والسنة ونحن ندعي الاعتقاد بهما، ما لا يدركه عقله من القرآن والسنة لا ينكره فيهما مباشرة ولكن إذا صدر بلسان إنساني لشخصٍ آخر يستفرد بهذا المسكين ويصف قوله بأنه "هرطقة" ولا يقول أنه هو الذي لا يعلم.

ومثل هذا الإنكار يحرم الإنسان من الكثير من الحقائق فهو يصده عن السبيل الذي يجب للإنسان أن يسلكه من دخول هذا السبيل أصلا.

أنني أخاطب الجميع أن احتملوا الصحة فيما وصل إليه الأولياء، قد لا يقول صراحة بين الناس باحتمال الصحة هذا ولكن المهم أن لا ينكر هذه الحقائق أصلا ويقول إنها هرطقة، فمثل هذا المنكر لا يفلح بعد ذلك بسلوك الطريق أبداً، فإن أراد الفلاح في السلوك فعليه أن يستأصل الجحود من قلبه ويزيل هذه العقبة من طريقه.

أرجو أن نفلح في استئصال حجاب الجحود من قلوبنا ونسأل الله تبارك وتعالى أن يعرفنا لغة القرآن ـ هي لغة خاصة ـ نسأل الله أن يوفقنا للتعرف على اللغة التي نزل بها القرآن.

 

القرآن مادة عامة

القرآن يشبه الإنسان في كونه موجود لديه كل شيء ـ والمقصود هنا هو الإنسان الإنسان بالفعل ـ القرآن مائدة أعدها الله لجميع البشر، سفرة واسعة يتناول منها كل إنسان حسب رغبته ما لم يكن مريضاً ينعدم عنده الاشتهاء، الأمراض القلبية تعدم في الإنسان الرغبة في الأكل، فإذا كان الإنسان غير مريضٍ وكانت له رغبة داخلية أنتفع من القرآن الذي تتسع سفرته للجميع، مثلما هو حال الدنيا فهي كسفرة كبيرة ينتفع هذا من فاكهتها وذاك من علفها وهكذا، الإنسان ينتفع منها بطريقة ما والحيوان بطريقة أخرى، والإنسان في مقام الحيوانية بطريقة معينة، وكلما سمى أكثر انتفع أكثر من هذه السفرة الإلهية وهي عبارة عن الوجود، ونفس الأمر يصدق على القرآن فهو سفرة عامرة تسع الجميع وكلُّ ينتفع منها قدر رغبته وعبر السبيل الذي وجده والدرجة العلمية الأعلى هي للذي نزل عليه "إنما يعرف القرآن من خوطب به ".

لكن لا يبغي لنا اليأس والقنوط، بل علينا الحصول على منافع من هذه السفرة وأولى هذه المنافع أن نطرد من أذهاننا وهم عدم وجود غير هذه القضايا الطبيعية وفكرة أن القرآن تنزل لإيضاح هذه القضايا الإجتماعية والطبيعية والحياة الدنيوية فقط، ففي هذه الفكرة إنكار لجميع النبوات إن الغاية التي تنزل من أجلها القرآن هي صنع الإنسان وجعله  "إنساناً"

وجميع تلك القضايا هي وسائل لتحقيق هذه الغاية

كافة العبادات والأدعية هي وسيلة لإظهار "لباب" الإنسان وتحويل ما لديه بالقوة ـ وهو لب الإنسان ـ إلى دائرة الفعل وبذلك يصبح الإنسان بالقوة إنساناً بالفعل يصبح الإنسان الطبيعي إنساناً إلهيا بحيث تكون كافة أبعاده إلهية فكل ما يراه هو الحق.

ولأجل هذه الغاية كانت بعثة الأنبياء، فهم لم يأتوا للحكومة بذاتها ولا لإدارة وتسيير الأمور الدنيوية فللحيوانات أيضاً دنيا يسيرون شؤونها.

ومفهوم أن إقامة العدالة الإجتماعية إنما تكون بأيدي الأنبياء ـ وبحث موضوع العدالة هو بحث في صفة للحق تعالى عن أهل البصيرة ـ كما أنهم يقيمون الحكومة العادلة أيضاً ولكن الغاية ليست كل ذلك بل كل ذلك وسائل لإيصال الإنسان إلى المراتب السامية وهذه غاية بعثة الأنبياء.

نسأل الله تعالى التأييد في أمورنا كافة.

ختام الدرس الرابع من دروس التفسير للإمام الخميني (قده).

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©