الخميس ٣٠ / مارس / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الحكومة العلوية في قراءة الإمام الخميني (ره) »

أدلة التسامح والتساهل

30 يونيو 2013 | في الفئة: الحكومة العلوية في قراءة الإمام الخميني (ره) | لا توجد تعليقات | الزیارات: 100

أدلة التسامح والتساهل

 لقد بيّن المناصرون للتساهل والتسامح ومن منطلقات متنوّعة ضرورة هذا المبدأ، ففيما طرحه بعضهم من منظار فلسفي, أثاره آخرون من منطلق ديني، وأطل ‏عليه فريق ثالث من زاوية سياسية.

 

1- يدّعي أولئك الذين قررّوا مبدأ التسامح والتساهل، من منظار فلسفي وابستمولوجي معرفي، أنّ الحقيقة غير قابلة للعثور عليها، ذلك أنّ العقل البشري يقع في‏ الخطأ، ومن ثمّ لا يقين مطلقاً أبداً، ومن هنا لا بدّ من إبداء نوع من التسامح مع أفكار الآخرين ومعتقداتهم، وهذا ما يجعل من الصالح منح الأفكار المختلفة حق‏ البيان والتعبير وإبداء الرأي، إذ إنّ البحث والحوار اللذين يسبقان ممارسات الإجبار والقهر والفرض يؤدّيان إلى كشف الحقيقة.

 2- من ناحية دينية، يؤدّي فرض العقيدة إلى بروز ظاهرة النفاق بين الأفراد، وهذا ما يخالف الأهداف السامية للدين، ففي الدين تقوم الأمور على عدم الرياء والنفاق لا على التظاهر والخداع للناس، فالإيمان ذو جذور قلبية, فيما التظاهر بعقيدة معيّنة يفضي إلى شيوع الرياء وظاهرة النفاق، والهدف الديني وهو عبارة‏عن الإيمان الحقيقي الواقعي, إنما يحصل عن طريق رفع العنف وإبداء التسامح.

 3- من المنظار السياسي, يُعد فرض عقيدة واحدة على المجتمع ذا تكلفة أكبر، فإذا ما قرّرنا إجبار الأفراد على الأخذ بعقيدة معيّنة، فإنّ هذا سوف يضع المجتمع‏ إمام مشكلات كثيرة جداً، فأفراد المجتمع ذوو مصالح متنوّعة ينبغي أن تتقاطع على أساس نوع من الانسجام, لا على أساس غلبة طرف على آخر، فأساس‏ التسامح مبني على مبدأ مشروعية كافة مصالح عموم الأفراد.

 هناك بعض المفكّرين الغربيين يمكن اعتبار آرائهم، في مجال التسامح والتساهل، جديرة بالبحث والمطالعة([1]).

 فاسبينوزا ـ مثلاً ـ يرى: أنّ القانون الطبيعي يقضي بثبوت الحق لكل إنسان في القيام بما يراه على أساس عقله صلاحاً، فللعقل قدرة على تشخيص مصالح الأفراد، ولا يمكن ضبط تفكير أي فرد منهم، فلكل إنسان الحق في التفكير والتعقّل، وعلى الآخرين الاعتراف بهذا الحق له، إذ إنّ فرض العقيدة أمر غير معقول؛ ومن هنا يكون عدم التساهل مخالفاً للعقل.

 ويدافع «جان بدن‏» عن التسامح والتساهل في دائرة الاعتقادات الدينية، فمن وجهة نظره: يمثّل الدين الوسيلة لحفظ النظام السياسي، وعلى مناصري المذاهب ‏المختلفة اتبّاع منهج المداراة في علاقاتهم في ما بينهم، وإذا ما أراد شخص ما جذب الآخرين إلى مذهبه فإنّ عليه اتبّاع منهج عرض النماذج الأخلاقية عملياً والقيام بالأعمال المنسجمة والحسنة.

 أمّا جون لوك فيذهب إلى: أنّ الإيمان القلبي باللّه تعالى هو أساس الدين، وهو يؤكّد أنّ مثل هذا الإيمان غير قابل للفرض على الآخرين، فهدف الدين هو استقامة ‏أرواح البشر، وهو هدف لابدّ من أنّ يقوم على أساس من الإقناع لا على أساس الإلزام؛ لان فرض عقيدة على شخص ما سوف يسهم في نشر ظاهرة الرياء والنفاق في المجتمع.

 ومن وجهة نظر لوك ـ أيضاً ـ: لا يجوز للدولة التدخّل في أي أمر يتعلّق بإيمان الناس وعقيدتهم، فلا يحق لأي شخص بادّعاء معرفة الحقيقة, فرض العقائد على‏ الآخرين، بَيْدَ أنّ لوك لا يعترف بالتسامح والتساهل إزاء نشر الإلحاد والترويج للأمور غير الأخلاقية, أو الإسهام في نشر العقائد المهدّدة للأمن وبقاء المجتمع.

 ويرى بعض المحقّقين أنّ تساهل لوك الديني نابع من عدم يقينيّته في ما يخص الحقيقة المطلقة.

 يعتقد «بير بيل‏» أحد الكتّاب, البروتستانتيي المذهب، والذي دوّن سنة 1686م رسالة تحت عنوان: «حول التساهل العام‏»، أنه لا يمكن إجبار الأفراد على اعتناق ‏عقيدة معيّنة، ذلك أنّ هذا الفعل مضاد لحكم العقل، كما يؤدّي إلى دفع الأفراد أنفسهم لممارسة الرياء والنفاق.

لكن العقل عند «بيل‏» غير قادر على التوصّل إلى اليقين, بالرغم من كونه في مجال معرفة الحقيقة أسمى وأفضل من الإيمان؛ ومن هنا لا بدّ من إبداء التساهل في ‏ما يرتبط ب‏آراء الآخرين ومعتقداتهم.

 وفي الواقع، فالنقص الذاتي للعقل البشري وعدم قدرته على التوصّل إلى القطع واليقين يفرضان الأخذ بمبدأ التساهل ‏والتسامح، ووفق نظرته لا يحق لأية فرقة من الفرق المسيحية ادّعاء اليقين المطلق المتعلّق بحقّانية معتقداتها، بل لا بدّ لها من احترام الاعتقادات الدينية لأي‏ شخص من الأشخاص, واعتباره باحثاً وسائراً نحو الحقيقة المطلقة، لكن «بيل‏» لا يُبدي تساهلاً أو تسامحاً في ما يرتبط بظاهرة الإلحاد.

وهكذا الحال لدى جون ستيورات مل، حيث كان يعتقد هو الآخر بمبدأ التساهل والتسامح، فمن وجهة نظره: تفرض الأدلّة التي عرضها لإثبات مبدأ الحرية من‏قبيل الكرامة الإنسانية والإبداع الفكري والأساليب المختلفة للحياة والعيش القبول بمبدأ التساهل أيضاً، لكن «مل‏» يرفض التساهل أمام الأعمال الموجبة لأذية ‏الآخرين، وهو يرى أنّ بإمكان الدين والدولة القيام بتحديد نطاق التساهل والتسامح.

أمّا في ما يتعلّق بالتصرّفات غير الأخلاقية التي تلحق الضرر بفاعلها فقط لا بالآخرين، فإنّ «مل‏» يرى ضرورة إستخدام أسلوب ترغيب الفاعل في تركها لا ممارسة منع له من الإقدام عليها من طريق الإجبار، وهو على قناعة بعدم جواز بناء الأفراد على أساس مفهوم الجبر؛ لكي ينتخبوا في حياتهم نمطاً واحداً للعيش.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) يراجع تفصيل هذه الاراء في كتاب دولت عقل، الدكتور حسين بشيريه، ص 74 85.

 

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©