الجمعة ٢٤ / مارس / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » ميزان السير والسلوك »

الفصل الثالث: قاعدة السير والسلوك

2 يوليو 2013 | في الفئة: ميزان السير والسلوك | لا توجد تعليقات | الزیارات: 153

الفصل الثالث: قاعدة السير والسلوك

قاعدة الموازنة

 على ضوء الشريعة الغرَّاء والتي هي ميزان السير والسلوك تتضح قاعدة أساسية فيه ألا وهي الموازنة بين أمرين اهتمت الشريعة بهما معاً، ورفضت الاكتفاء بواحدة منهما دون الآخر وهما:

 1ـ الاهتمام بالمعنويات الفردية.

 2ـ الاهتمام بالحياة الاجتماعية.

 فقد رفض الإسلام الاقتصار على جانب التربية الروحية الفردية بالابتعاد عن المجتمع والعزلة عنه، فرسم الرسول الأكرم (ص) خطَّاًَ عريضاً واضحاً في ذلك حينما قال:

 «لا رهبانية في الإسلام»([1]).

 وحينما قال:

 «من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم».

 كما رفض الإسلام الاقتصار على العمل الاجتماعي بعيداً عن الجانب الروحي والمعنوي الفردي داعياً إلى تعزيز هذا الجانب باعتباره خير منطلق لعمل الإنسان.

 والتفصيل في قاعدة الموازنة هذه يظهر فيما يلي:

    قاعدة الموازنة

الإهتمام بالحياة المعنوية                    الإهتمام بالحياة الإجتماعية

  الاهتمام بالحياة المعنوية

 في ضل الحياة المادية التي يعيش الإنسان في أجوائها دعا الإسلام إلى تعزيز الحالات المعنوية وترقيق([2]) حجاب المادة لتحلق الروح في رحاب الله تعالى، وذلك في مواطن عديدة منها:

صلاة الليل:

 حيث يقوم الإنسان في خلوته مع الله تعالى ليصلي في جوف الليل متهجداً متبتلاً لله تعالى. وقد ورد في فضلها الأحاديث الكثيرة منها:

 ما ورد عن الإمام الصادق (ع):

 «ما من عمل حسن يعمله العبد إلا وله ثواب في القرآن ألا صلاة الليل فإن الله لم يبيِّن ثوابها لعظيم خطره عنده فقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾»([3]).

 وقد أشار القرآن الكريم إلى عظمة الاختلاء بالله تعالى في الليل وصلاته بقوله:

 ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾([4]).

 وقد فسر الإمام الباقر (ع) هذه الآية بصلاة الليل([5]).

 وكذا فسَّر بصلاة الليل قوله تعالى:

 ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإدْبَارَ النُّجُومِ﴾([6]).

 وكذلك قوله تعالى في أوصاف عباد الرحمن:

 ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾([7]).

 ولأهمية الخلوة مع الله تعالى في صلاة الليل ورد عن النبي (ص) قوله:

 «ركعتان يركعها العبد في جوف الليل الأخير خير له من الدنيا ومن فيها، ولولا أني أشق على أمتي لفرضتها عليها»([8]).

 من هنا كانت صلاة الليل الوصية النبوية لأمير المؤمنين (ع) حين قال له:

 «يا علي، أوصيك في نفسك بخصال احفظها عني، ثم قال: اللهمَّ أعنه ـ إلى أن قال ـ وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل...»([9]).

آثار صلاة الليل:

 وكثرت الروايات المخبرة عن آثار هذه النافلة العظيمة ومنها ما يظهر من خلال ما يلي:

 ـ سئل الإمام علي بن الحسين (ع): ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجهاً؟

 قال (ع):

 «لأنهم خلوا بالله فكساهم الله من نوره»([10]).

 ـ وعن الإمام الصادق (ع):

 «إن البيوت التي يصلى فيها بالليل بتلاوة القرآن تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض»([11]).

 ـ وعن الإمام الصادق (ع):

 «صلاة الليل تحسن الوجه، وتحسن الخلق، وتطيب الريح، وتدر الرزق، وتقضي الدين، وتذهب الهم، وتجلو البصر»([12]).

المناجاة

 فقد دعا الإسلام أن يناجي العبد ربَّه كحالة الحديث عن السرّ الذي هو معنى النجوى([13])، وهذا ما يكون في حالة الاختلاء مع الله تعالى.

 ولعل من أروع المناجاة ما كان يؤكد عليها الإمام الخميني (ره) وهي المناجاة الشعبانية التي ورد فيها:

 «الهي هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلّقة بعزِّ قدسك».

الاعتكاف

 فقد دعا الإسلام إلى خلوة خاصة أقلها ثلاثة أيام في مكان خاص هو بيت الله([14])، بشروط خاصة منها الصيام وإطالة عدم الخروج من ذلك المكان، بأحكام خاصة حيث لا التذاذ بالطيب ولا بيع ولا شراء، إنها عبادة يبتعد فيها الإنسان عن ملذات الدنيا، وعن ما اعتاده من شؤون حياته ليختلي مع الله تعالى هادفاً ترقيق حجي المادة.

 قال الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (ره):

 «يبدوا أن الشريعة الإسلامية بعد أن ألغت فكرة الترهب والاعتزال عن الحياة الدنيا، واعتبرتها فكرة سلبية خاطئة ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾، شرّعت الاعتكاف ليكون وسيلة موقوتة وعبادة محدودة تؤدى بين حين وآخر، لتحقيق نقله إلى رحاب الله يعمق فيها الإنسان صلته بربِّه ويتزوَّد بما تتيح له العبادة من زاد، ليرجع إلى حياته الاعتيادية، وعمله اليومي، وقلبه أشد ثباتاً، وإيمانه أقوى فاعلية»([15])

 الحياة المعنوية في سيرة النبي (ص) وأهل بيته (ع)

الرسول الأكرم (ص)

 من الجلي الواضح في حياة الرسول الأكرم (ص) اهتمامه بالجانب المعنوي في علاقته بالله تعالى، فكان يختلي بنفسه مع الله تعالى متعباً نفسه بالعبادة حتى أنزل الله تعالى:

 ﴿طه ، مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾([16]).

 وروي أنه كان عند إحدى زوجاته فقالت: يا رسول الله لمَ تتعب نفسك؟! وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخَّر، فأجابها:

 «ألا أكون عبداً شكواً»([17]).

أمير المؤمنين (ع):

 ورد عن أمير المؤمنين (ع):

 «ما تركت صلاة الليل منذ سمعت قول النبي (ص): (صلاة الليل نور»).

 فقال ابن الكوّاء: ولا لليلة الهرير؟

 قال (ع):

 (ولا لليلة الهرير)([18]).

 وروي عن عروة بن الزبير أنه قال: كنا جلوساً في مجلس في مسجد رسول الله (ص) فتذكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء: يا قوم ألا أخبركم بأقل القوم مالاً، وأكثرهم ورعاً، وأشدهم اجتهاداً في العبادة؟

 قالوا: من؟

 قال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).

 قال: فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلا معرض عنه بوجهه.ثم انتدب له (أي أجابه) رجل من الأنصار فقال له: يا عويمر، لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها.

 فقال أبو الدرداء: يا قوم، إنّي قائل ما رأيتُ، وليقل كلّ قوم منكم ما رأوا، شهدت علي بن أبي طالب (ع) بشويحطات([19])النجار، وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممّن يليه، واستتر بمغيلات النخل فافتقدته وبَعُدَ عليَّ مكانه، فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجي، وهو يقول:

 «الهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنقمتمك([20])، وكم من جريرة تكرَّمت عن كشفها بكرمك، الهي إن طال في عصيانك عمري، وعظم في الصف ذنبي، فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك».

 فشغلني الصوت واقتفيت الأثر. فإذا هو علي بن أبي طالب (ع) بعينه، فاستترت له، وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر([21]).

 ثمّ فرغ من الدعاء والبكاء، والبث والشكوى، فما كان مم به الله ناجاه أن قال:

 «الهي أفكر في عفوك فتهون عليَّ خطيئتي، ثمّ أذكر العظيم  من أخذك فتعظم عليَّ بليتي»

 ثم قال:

 «آه، إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها، وأنت محصيها فتقول: خذوه فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبليته، يرحمه الملأ إذا أُذن فيه بالنداء».

 ثم قال:

 «آه، من نار تنضج الأكباد والكلى([22]) آه من نار نزاعة للشوى، آه من غمرة من ملهبات([23]) لظى»

 قال: ثمّ أنعم([24]) في البكاء، فلم أسمع له حساً ولا حركة، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، أوقظه لصلاة الفجر.

 قال أبو الدرداء: فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحركته فلم يتحرك وزويته فلم ينزو، فقلت:

 ﴿إنَّا لِلّهِ وَإنَّا إليه رَاجِعونَ﴾..

 مات والله علي بن أبي طالب.

 قال: فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم.

 فقالت فاطمة (ع):

 «يا أبا الدرداء، ما كان من شأنه وقصته؟».

 فأخبرتها بالخبر.

 فقالت (ع):

 «هي ـ والله، يا أبا الدرداء ـ الغشية التي تأخذه من خشية الله».

 ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق، ونظر أليّ وأنا أبكلي، فقال (ع):

 «مما بكاؤك، يا أبا الدرداء؟».

 فقلت مما أراه تنزله بنفسك.

 فقال (ع):

 «يا أبا الدرداء، فكيف ولو رأيتني ودعي بي إلى الحساب وأيقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبّار، قد أسلمني الأحباء ورحمني أهل الدنيا، لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية».

 فقال أبو الدرداء: فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله (ص)([25]).

 وعن عبادة أمير المؤمنين (ع) يقول ابن أبي الحديد:

 وأما العبادة فكان علي (ع) أعبد النّاس وأكثرهم صلاةً وصوماً, ومنه تعلّم الناس صلاة الليل، وملازمة الأوراد، وقيام النافلة، وما ظنّك برجل بلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطعٌ بين الصّفين ليلة الهرير، فيصلي عليه ورده والسهام تقع بين يديه، وتمرّ على صماخيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتّى يفرغ من وظيفته! وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة([26]) البعير لطول سجوده.

 وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته، ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه، وإجلاله، وما يتضمّنه من الخضوع والخشوع لعزّته، والاستخذاء له، عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص، وفهمت من أي قلب خرجت، وعلى أي لسان جرت.

 وقيل لعليّ بن الحسين (ع) ـ وكان الغاية في العبادة ـ: أين عبادك من عبادة جدك؟

  قال (ع):

 «عبادتي عند عبادة جدي، كعبادة جدي عند عبادة رسول الله (ص)»([27]).

فاطمة الزهراء (ع)

 في أسماء سيدة نساء العالمين (ع) دلالة على رقيِّها المعنوي، فمن أسمائها ـ كما في رواية الإمام الصادق (ع)([28])(الزكيّة)؛ لأنها زكت نفسها، وعنها ورد عن أبنها الإمام الحسن (ع):

 «رأيت أمي فاطمة قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح...([29])».

 وعنها قال الحسن البصري: ما كان في الأمة أعبد من فاطمة كانت تقوم حتى تورم قدماها([30]).

الإمام الحسن (ع)

 وكما سميت أمّه الزكية لتزكية نفسها سمي الإمام الحسن بالزكي لذلك، وعن الإمام الصادق (ع):

 «حدثني أبي عن أبيه إن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) كان أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ حجّ ماشياً وربما مشى حافياًَ، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى وإذا ذكر البعث والنشور بكى وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره وشهق شهقة يُغشى عليه منها، وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربَّه عزَّ وجلَّ، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم وسأل الله الجنة وتعوّذ من النار»([31]).

 وجاء في روضة الواعظين أن الحسن بن علي (ع) كان إذا توضأ ارتعدت مفاصله، واصفر لونه، فقيل له في ذلك فقال:

 «حق على كل من وقف بين يدي رب العرش أن يصفرَّ لونه، وترتعد مفاصله»([32]).

الإمام الحسين (ع)

 وفي اهتمامه بالمعنويات ورد أنه قيل للإمام السّجاد (ع): ما أقل ولد أبيك؟

 قال (ع):

 «العجب كيف ولدت له! لقد كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، فمتى كان يتفرغ للنساء»([33]).

 وقد اشتهرت بين الرواة مواقفه في عرفات أيام موسم الحج، ودعاؤه المعروف بدعاء عرفة الذي يعرج بروح المؤمن إلى قمم العرفان، ومما جاء في هذا الدعاء:

 «إلهي لو حاولت واجتهدت مدى الأعصار والأحقاب لو عمرتها أن أؤدي شكر واحدة من نعمك ما استطعت ذلك إلا بمنك الموجب عليّ شكراً جديداً، اللهم اجعلني أخشاك كأني أراك، واجعل غناي في نفسي واليقين في قلبي والإخلاص في عملي، والنور في بصري، والبصيرة في ديني ... إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عمين عين لا تراك عليها رقيباً وخسرت صفقة عبد لم يجعل لك من حبّه نصيباً...»([34]).

 وتظهر قمة عرفان الإمام الحسين (ع) في كربلاء حينما اشتد به الحال فرفع صوته إلى السماء وقال:

 «اللهم متعال المكان عظيم الجبروت شديد المحال غني عن الخلايق عريض الكبرياء قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حسن البلاء، قريباً إذا دُعيت، محيط بما خلقت، قابل التوبة، لمن تاب إليك، قادر على ما أردت، تدرك ما طلبت، شكور إذا شُكِرتَ، ذكور إذا ذُكِرت، أدعوك محتاجاً وأرغب إليك فقبراًَ! وأفزع إليك خائفاً وأبكي مكروباًَ، واستعين بك ضعيفاً وأتوكل عليك كافياً اللهم احكم بيننا وبين قومنا فإنهم غرونا وخذلونا وغدروا بنا وقتلونا ونحن عترة نبيك وولد حبيبك محمد (ص) الذي اصطفيته بالرسالة وائتمنته على الوحي، فاجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً يا أرحم الراحمين»([35]).

 نكتفي بما مرَّ من بيان جانب من اهتمام النبي وأهل بيته (ع) بالأمور المعنوية تاركين تفصيل ذلك للكتب المختصة لاسيَّما فيما يتعلق بالحالات المعنوية لباقي أئمة أهل البيت (ع) من أبناء الإمام الحسين (ع).

إفراط في المعنويات:

 انتهج البعض منهجاً خاصاً في تزكية النفس والسير والسلوك يقتصر على الاختلاء مع الله تعالى والابتعاد عن المجتمع وقضاياه، لذا فإن هؤلاء يرون في المنزلة السبيل لتكامل الإنسان ووصوله إلى هدفه.

 وقد تأثر هؤلاء في منهجهم بجملة من الأمور نشير منها إلى أمرين:

 الأول: ما مرََّ معنا من إيلاء الإسلام وسيرة النبي وأهل بيته (ع) الجانب المعنوي الأهمية الكبرى ـ كما اتضح سابقاً.

 الثاني: نظرة هؤلاء إلى الدنيا نظرة سلبية تتقرب في سلبيتها إلى الإطلاق، مستشهدين لهذه النظرة بنصوص دينية وردت في القرآن والأحاديث الشريفة.

الدنيا في القرآن والأحاديث الشريفة (نظرة السلب):

 ففي القرآن الكريم عدة آيات كريمة تتحدث عن الدنيا في إطار يتجه نحو جانب سلبي وضعه أولئك نصب أعينهم كقوله تعالى:

 1ـ ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾([36]).

 2ـ ﴿إنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾([37]).

 3ـ ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾([38]).

 وفي الأحاديث الشريفة الكثيرة مما يضع الدنيا في تلك الخانة السلبية نعرض منها:

 ـ إن رسول الله (ص) وقف على مزبلة فقال:

 «هلموا إلى الدنيا»

 وأخذ خرقاً وقد بليت على تلك المزبلة وعظاماً قد نخرت.

 فقال (ص):

 «هذه الدنيا»([39]).

 ـ عن أمير المؤمنين (ع):

 «الدنيا مصرع العقول».

 «الدنيا معدن الشر ومحل الغرور».

 «الدنيا سوق الخسران»([40]).

 ـ عن الإمام الكاظم (ع):

 «مثل الدنيا مثل الحية، مسُّها لين، وفي جوفها السمّ القاتل، يحذرها الرجال ذوي العقول، ويهوي إليها الصبيان بأيديهم»([41]).

 هذا إضافة إلى الروايات التي تحدثت عن خطورة حب الدنيا كالحديث المشهور عن الإمام الصادق (ع):

 «رأس كل خطيئة حب الدنيا»([42]).

 وكالحديث القدسي:

 «لو صلى العبد صلاة أهل السماء والأرض، ويصوم صوم أهل السماء والأرض ويطوي من الطعام مثل الملائكة، ولبس لباس العاري، ثم أرى في قلبه من حبّ الدنيا أو سمعتها أو رئاستها أو حليّها أو زينتها لا يجاورني في داري ولأنزعنَّ من قلبه محبتي»([43]).

ضيق النظرة في الموقف من الدنيا:

وقد تأثر أولئك بتلك الآيات والروايات مبرِّرين بها عزوفهم عن العمل الاجتماعي، واقتصار حياتهم على العزلة الخاصة مع الله تعالى، والملاحظ في نظرتهم هذه والتي أثرت في مسلكهم أنها اقتصرت على الأخذ بجانب من النصوص الدينية الواردة، تاركة جانباًَ آخر لابد من ملاحظته لفهم موقف الإسلام من الدنيا.

 ففهم موقف الإسلام من الدنيا أو غيرها من الأمور لا يتم من خلال قراءة تجزيئية لبعض النصوص الواردة حول ذلك الأمر، بل لابد من قراءة موضوعية تطل على مجموع النصوص الواردة والتي ينبثق قواعد وأساسيات في فهم كثير من المطالب المبتغاة، فالقارئ للآيات والروايات السابقة حينما يقتصر في قراءته عليها فإن الموقف من الدنيا لن يخرج من دائرة السلب،، ولكن حينما ننظر إلى الآيات  والروايات الشريفة الأخرى فإن الموقف سيختلف، ولتوضيح الأمر سأعرض جانباً من آيات القرآن والروايات حول الدنيا وردت بنمط آخر لابد من ضمّها مع النمط الأول لتحديد الموقف النهائي.

الدنيا في القرآن والأحاديث (نظرة الإيجاب):

 * قال تعالى:

 ـ ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾([44]).

 ـ ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾([45]).

 ـ ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾.

 علق عليها الإمام الباقر (ع) فقال:

 «الدنيا»([46]).

 * وعن الرسول الأكرم (ص):

 «لا تسبّوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن، فعليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر، إنه إذا قال العبد: لعن الله الدنيا. قالت الدنيا: لعن الله أعصانا للرب»([47]).

 * وورد أن أحدهم ذمّ الدنيا فقال له أمير المؤمنين (ع):

 «أيها الذام للدنيا المغتر بغرورها المنخدع بأباطيلها أتغتر بالدنيا ثم تذمها! أنت المتجرّم عليها، أم هي المتجرمة عليك؟! متى استهوتك، أم متى غرَّتك؟!

 إن الدنيا دار صدق لمن صدَّقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها، مسجد أحبّاء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط

  وحي الله، ومتجر أولياء الله، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة»([48]).

 ـ وعن الإمام الكاظم (ع):

 «اجعلوا لأنفسكم حظاً من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال، وما لا يثلم المروة وما لا سرف فيه، واستعينوا بذلك على أمور الدين فإنه روي: ليس منا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه»([49]).

 وفي حب الدنيا ورد:

 * عن الرسول الأكرم (ص):

 «ليس من حبِّ الدنيا طلب ما يصلحك»([50]).

 * وعن أمير المؤمنين (ع):

 «الناس أبناء الدنيا، ولا يُلام الرجل على حبِّ أمه<([51]).

 * وعن ابن أبي يعفور: قلت لأبي عبد الله (ع): «أنَّا لنحب الدنيا».

 فقال لي:

 «تصنع بها ماذا».

 قلت: «أتزوج منها، أحج وأنفق على عيالي وأنيل أخواني، وأتصدق»

 قال لي:

 «ليس هذا من الدنيا هذه من الآخرة»([52]).

النظرة الموضوعية من الدنيا:

 إن المتأمل في مجموع النصوص الواردة حول الدنيا يخلص إلى نتيجة واضحة هي أن الإشكالية ليست في الدنيا بما هي دنيا، بل هي في علاقة الإنسان بالدنيا.

 وعلى حدّ تعبير أمير المؤمنين (ع) المتقدم:

 «أنت المتجرّم عليها، أم هي المتجرمة عليك».

 وعليه فالنصوص التي تتحدث عن عدم استقرار الدنيا وهزالتها كانت في صدد تنبيه الإنسان أنها غير صالحة لاتخاذها غاية نهائية للإنسان، لذا نهته أن يحبها كغاية بل أن حبها حينئذ يكون رأس كل خطيئة، أما تعامل الإنسان مع الدنيا على أساس أنها وسيلة للآخرة، فهذه العلاقة غير مذمومة، بل هي ممدوحة وحبُّها مبرَّر، ولعل من أروع وأجمل ما عبَّر عن هذا التفصيل بين دنيا الغاية ودنيا الوسيلة هو ما ورد عن سيد الفصحاء وأمير البلغاء علي بن أبي طالب (ع):

 «من أبصر بها بصَّرته، ومن أبصر إليها أعمته».

 فنظرة (باء) الوسيلة تؤدي إلى البصيرة، ونظرة (إلى) الغاية تؤدي إلى العمى([53]).

 ومع أن البحث طويل، إلا أننا نكتفي بما مر، فهو يصلح كمقدمة للدخول في بيان اهتمام الإسلام بالحياة الاجتماعية ليوازن المؤمن بينها وبين المعنويات الفردية.

 الاهتمام بالحياة الاجتماعية

أ ـ القرآن والحياة الاجتماعية

 مع حثِّه على ايلاء الحالات المعنوية الاهتمام الكبير بيَّن القرآن الكريم أن الله تعالى قد استخلف الإنسان في الأرض:

 ﴿إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾([54]).

 واستخلافه فيها يتحقق من خلال إحيائها واستثمارها على قاعدة محورية للإنسان فيها، كما بين الله تعالى أن الهدف من وجود الإنسان والذي يتحقق من خلال السير والسلوك في سبيل الله يتجلى من خلال العمل الاجتماعي الصالح فالآيات القرآنية التي تتحدث عن السير والسلوك في سبيل الله ذكرت عناوين كثيرة لهذا السلوك تنصب في خاتمة خدمة الناس ومن هذه العناوين:

 1ـ إنفاق المال: قال تعالى:

 ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ...﴾([55]).

 ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ...﴾([56]).

 2ـ الجهاد والقتال: قال تعالى:

 ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ﴾([57]).

 وقال تعالى:

 ﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾([58]).

 3ـ الهجرة: قال تعالى:

 ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾([59]).

4ـ الشهادة:

 ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا﴾([60]).

 واللافت في القرآن الكريم مدحه الكبير للعاملين في خدمة الناس ونفعهم كما ورد في سورة الإنسان في قصة إطعام أهل البيت (ع) للمسكين واليتيم والأسير.

 فقد ورد أنَّ الإمامين الحسن والحسين (ع) مرضا ـ وهما صغيران ـ فنذر أبوهما علي وأمهما فاطمة (ع) إن عافاهما الله أن يصوما ثلاثة أيام، وكذا فعل الحسن والحسين (ع) مع صغر سنهما، واقتدت بهم خادمتهم فضة.

 حينما برئا، أصبحوا صياماً وليس عندهم طعام، فانطلق علي (ع) إلى يهودي وأخذ منه جزّة من صوف على أن تغزلها السيدة الزهراء (ع) مقابل ثلاثة أصوع من الشعير، فغزلت (ع) ثلث الصوف ثم طحنت صاعاً من الشعير وعجنته، وخبزت منه خمسة أقراص، فلما جلسوا خمستهم يتناولوا الطعام إذا مسكين على الباب يقول: السلام عليكم يا أهل بيت محمد أنا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله من موائد الجنة، فوضع علي (ع) اللقمة من يده وأعطى قرصه للمسكين وكذا فعلت فاطمة (ع) وكذا فعل الحسنان (ع)، فباتوا جياعاً وأصبحوا صياماً، لم يذوقوا إلاّ الماء.

 وفي اليوم الثاني غزلت السيدة فاطمة (ع) ثلث الصوف الآخر وطحنت صاعاً من الشعير وعجنته وخبزته خمسة أقراص، فلما جلسوا خمستهم ليتناولوا الطعام إذا بيتيم على الباب يقول: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله من موائد الجنة، فدفع جميعهم الطعام إلى هذا اليتيم وباتوا جياعاً وقاموا صياماً.

 وتكرَّر المشهد في اليوم الثالث حينما وقف على الباب أسيرٌ من أسرى المشركين يقول: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، تأسروننا وتشدّوننا ولا تطعموننا، ففعلوا كما فعلوا بالأمس وقبله وباتوا جياعاًُ واستيقظوا ليأتي إليهم نبيُّ الإسلام بالبشرى الكبرى وهو قوله تعالى:

 ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا * إنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا...﴾([61]).

ب ـ الأحاديث الشريفة والحياة الاجتماعية:

 بيَّن أهل البيت (ع) سموَّ العمل الاجتماعي في خدمة الناس من خلال الحديث القدسي: قال الله (عزَّ وجلَّ):

 «الخلق عيالي فأحبهم إليَّ من ألطفهم بهم، وأسعاهم في حوائجهم»([62]).

 كما بيَّنوا (ع) الثواب العظيم والكرامة الإلهية التي جعل الله تعالى للسائر في حاجة الناس والقاضي لها كما يظهر في الأحاديث التالية:

 1ـ عن الرسول الأكرم (ص):

 «من سعى في حاجة أخيه المؤمن فكأنما عبد الله تسعة آلاف سنة، صائما نهاره، قائما ليله»([63])([64]).

 2ـ عن الإمام الباقر (ع):

 «من سعى في حاجة أخيه المسلم طلب وجه الله كتب الله له ألف ألف حسنة»([65]).

 3ـ عن الإمام الصادق (ع):

 «إن العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن فيوكّل الله عزَّ وجلَّ به ملكين: واحداً عن يمينه، وآخر عن شماله، يستغفرون له ربَّه، ويدعون بقضاء حاجته»([66]).

 4ـ عن الإمام الكاظم (ع):

 «إن لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس هم الآمنون يوم القيامة»([67]).

 5ـ عن الرسول الأكرم (ص):

 «من قضى لأخيه المؤمن حاجة كان كمن عبد الله دهراً»([68]).

 6ـ وعنه صلوات الله عليه وآله:

 «من قضى لمؤمن حاجة قضى الله له حوائج كثيرة أدناهن الجنة»([69]).

 الحياة الاجتماعية في سيرة النبي (ص) وأهل بيته (ع)

الرسول الأكرم (ص):

 كما كان الجانب المعنوي جلياً في شخصية النبي (ص) كان اهتمامه بالحياة الاجتماعية جلياً أيضاً.

 فكان أصحابه يرون اهتمامه بعياله حتى قال أحدهم: ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله وورد في سيرته الشريفة أنه كان يتجمَّل لزوجاته([70]).

 كما ورد أنه كان يحلب عنز أهله([71]).

 وكان صلوات الله عليه وآله يولي اهتماما بالأطفال فكان يمسح على رؤوسهم([72]) ويجلسهم في حجره ويقبلهم([73])، وقد رأى المسلمون خاتم الأنبياء (ص) يحمل الحسن والحسين (ع) على ظهره يحبو بهما ويقول:

 «ونعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما»([74]).

 وورد في علاقته بالمؤمنين أنه كان إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غائباً دعا له، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده([75]) وكان (ص) يتجمَّل لأصحابه ويقول:

 «إن الله تعالى يحب من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيأ لهم ويتجمَّل»([76]).

 وكان في علاقاته بجيرانه يمثل قمة الرحمة حتى مع جاره اليهودي الذي كان يؤذيه يوماً بوضع النفايات قرب باب منزله، ولم يكن النبي (ص) يردّ عليه بأية كلمة أو أيّ فعل، بل حينما لم يجد النفايات ذات يوم سأل عن ذلك الجار، فقيل له أنه مريض فذهب لعيادته، وقد أدَّى ذلك إلى إسلام ذلك اليهودي.

 وكان صلوات الله عليه وآله بالغ الاهتمام بهداية الناس إلى الحق حتى وصل حاله في ذلك أن الله تعالى أنزل عليه قوله:

 ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾([77]).

 وكان في الحروب أول المسلمين إقداماً وأكثرهم شجاعة،  فعن أمير المؤمنين (ع):

 «لقد رأتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي (ص) وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً»([78]).

 وعنه (ع):

 «كنا إذا احمر البأس ولقي القومُ القومَ اتقينا برسول الله (ص) فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه»([79]).

الإمام علي (ع):

 وكما تجلى اهتمام أمير المؤمنين بالعلاقة المعنوية مع الله تعالى كان اهتمامه بالحياة الاجتماعية فكان خير زوج مع أهله.

 فقد ورد أنه (ع) كان في بيت السيدة الزهراء (ع) يحتطب ويسقي ويكنس([80])، وكان (ع) وغم فقره يوزع رزقه على المساكين([81]).

 وكان (ع) يسعى جاهداً للدفاع عن المظلومين، وإغاثة الملهوفين سواء في الدفاع عن المجتمع الإسلامي ومواقفه في ذلك مشهودة أو في النواحي العديدة في الحياة الاجتماعية، ويشهد لذلك ما ذكره سعيد بن قيس الهمداني من أنه رآه يوماً في فناء حائط، فقال: يا أمير المؤمنين بهذه الساعة؟

 قال (ع):

 «ما خرجت إلا لأعين مظلوماً أو أغيث ملهوفاً».

 فبينما هو كذلك إذ أتته امرأة قد خلع قلبها لا تدري أين تأخذ من الدنيا، حتى وقفت عليه، فقالت: يا أمير المؤمنين ظلمني زوجي وتعدّى عليَّ وحلف ليضربني، فاذهب معي إليه.

 فطأطأ رأسه ثم رفعه وهو يقول: حتى يؤخذ للمظلوم حقه غير متعتع، وأين منزلك؟

 قالت: في موضع كذا وكذا، فانطلق معها حتى انتهت إلى منزلها، وهناك أصلح أمرها مع زوجها، وخرج منه وهو يقول:

 ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾([82]).

السيدة الزهراء (ع):

 كانت (ع) في دائرة اهتمامها بعلاقتها بالله تعالى تدعو للمؤمنين والمؤمنات ولا تدعو لنفسها، وحين يسألها ولدها عن السبب ذلك تقول:

 «الجار ثم الدار»([83]).

 وكانت (ع) مثال الزوجة الكاملة لأمير المؤمنين (ع)، وكانت في بيتها تطحن وتعجن وتخبر([84])، وقد ورد عن الإمام علي (ع) «أنها طحنت بالرحى حتى مجلت يداها وكسحت البيت حتى أغبرت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها»([85]). «وأنها استقلت بالقربة حتى أثرت في صدرها»([86]) وكانت (ع) تقوم بدورها الاجتماعي التبليغي فتنشر أحاديث أبيها (ص) حتى سميت بالمحدِّثة.

الإمام الحسن (ع):

 عرف الإمامان الحسنان (ع) بدورهما الاجتماعي الإصلاحي ودعوة الناس إلى الحق وهما صغيران، وهذا ما يبدوا واضحاً فيما روي أنهما رأيا أعرابيا يتوضأ بشكل خاطئ، فتقدما وطلبا منه أن يشرف على وضوئيهما ليعرف أي الوضوئين أحسن!

 فقال الحسين (ع) للأعرابي: أينا يحسن الوضوء؟

 فأجاب الأعرابي: «كلاكما تحسنان، روحي لكما الفداء، ولكن أنا الذي لا أحسنه»([87]).

 وفي الحياة الاجتماعية للإمام الحسن (ع) ورد أنه قاسم الله ماله مرتين حتى أنه كان يعطي النعل ويمسك النعل، ويعطي الخف ويمسك الخف([88]).

 ونقل العلامة المجلسي في البحار أن الإمام الحسن (ع) ذات يوم اغتسل وخرج من داره في حلة فاخرة، وبزة طاهرة ونضرة النعيم تعرف في أطرافه، وقاضي القدر قد حكم أن السعادة من أوصافه، ثم ركب بغلة فارهة ... فعرض له في الطريق من محاويج اليهود ... قد أنهكته العلة ، وأركبته الذلة، وأهلكته القلة ... فأستوقف الحسن (ع) وقال: يا ابن رسول الله، انصفني، فقال (ع): في أي شيء؟

 فقال: جدك يقول:

 «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».

 وأنت مؤمن وأنا كافر، فما أرى الدنيا إلا جنّة تتنعَّم بها، وتستلذُّ بها، وما أراها إلا سجناً لي قد أهلكني  ضرها، وأتلفني فقرها.

 فأجابه الإمام الحسن (ع):

 «يا شيخ: لو نظرت إلى ما أعد الله لي وللمؤمنين في الدار الآخرة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، لعلمت أني قبل انتقالي إليه في هذه الدنيا في سجن ضنك، ولو نظرت إلى ما أعد الله لك ولكل كافر في الدار الآخرة من سعير نار الجحيم، ونكال العذاب المقيم، لرأيت أنك قبل مصيرك إليه الآن في جنة واسعة ونعمة جامعة»([89]).

الإمام الحسين (ع):

 كان (ع) ساعياً في قضاء حوائج الناس على مشاكلهم ويسدّد ديونهم([90]) ويتصدق على فقرائهم حتى روى أنه وجد على ظهر الحسين بن على (ع) بوم الطف أثر، فسألوا الإمام زين العابدين (ع) عن ذلك فقال:

 «هذا مما كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين»([91]).

 وكان معروفاً أنه أكرم الناس وكان ينشد ـ فيما ينسب إليه:

 إذا جادت الدنيا عليك فجد بها

على الناس طرَّاً قبل أن تتفلَّت

 فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت

ولا البخل يبقيها إذا ما تولَّت([92])

 وكان (ع) يخضب لحيته الشريفة.

 وقد ورد عن الإمام الصادق (ع):

 «أنه قتل وهو مختضب بالوسمة»([93]).

 نكتفي بهذا تاركين معرفة تفاصيل الحياة الاجتماعية لأهل الكساء لسائر أئمة أهل البيت (ع) للكتب التي فصَّلت في ذلك.

 النتيجة = الموازنة قاعدة السير والسلوك

 مما تقدم نفهم بوضوح أن الإسلام دعا إلى الاهتمام بأمرين معاً دون التحيّز لأحدهما دون الآخر وهما:

 1ـ المعنوية الفردية.

 2ـ الحياة الاجتماعية.

 فالموازنة بين المعنوية الفردية والحياة الاجتماعية قاعدة أساسية في السير إلى الله والسلوك في طريقه.

 وتنطلق قاعدة الموازنة هذه من آفتين قد توجدان في داخل الإنسان.

 الآفة الأولى: سماكة جدار المادة في الإنسان فيرققه الاهتمام بالمعنوية الفردية.

 الآفة الثانية: ضيق أفق النفس الإنسانية عن مصالح غيرها وعدم الاهتمام إلا بمصلحتها هي، فيوسعه من خلال الاهتمام بالحياة الاجتماعية وخدمة الآخرين.

قاعدة الموازنة في القرآن الكريم:

 عند ملاحظة مجموع الآيات المتقدمة تظهر الموازنة بين المعنوية الفردية والحياة الاجتماعية كقاعدة قرآنية واضحة، ومع ذلك نذكر هنا ما جمع بين هذين الأمرين في سياق واحد فقد قال تعالى:

 ﴿إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾([94]).

 فالليل يناسب الخلوة مع الله تعالى وتعزيز الجانب الروحي عند الإنسان، بينما النهار يناسب السبح في المجتمع، وفي سائر الأعمال الإنسان الدنيوية والأخروية.

قاعدة الموازنة في الأحاديث الشريفة:

  إن الروايات السابقة وإن كانت توضح قاعدة الموازنة هذه، إلا أنا نعرض رواية جمعت بينهما في سياق واحد وهي ما ورد عن الإمام الصادق (ع):

 «خصلتان من كانتا فيه وإلا فأعزب، ثم أعزب، ثم أعزب.

 قيل وما هما: قال:

 1ـ الصلاة في مواقيتها والمحافظة عليها.

 2ـ والمواساة».

 فالصلاة في وقتها مثال للمعنوية الفردية، والمواساة مثل للحياة الاجتماعية وخدمة الآخرين.

الموازنة في حياة الرسول الأكرم (ص):

 إن حياة النبي الأعظم (ص) مليئة بالشواهد الدالة على مراعاته الموازنة.

 ومن تلك الشواهد ما ورد عن الإمام الحسين (ع):

 «سألت أبي عن دخول النبي (ص) فقال: كان دخوله لنفسه مأذوناً له في ذلك، وكان إذا آوى إلى منزله جزاً دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله عزَّ وجلَّ، وجزءً لنفسه ثم جزءً جزءه بينه وبين الناس. فيرد على العامة والخاصة ولا يدّخر عنهم شيئاً».

الإمام علي (ع):

 لعلَّ أروع تطبيق عرضه القرآن الكريم لقاعدة الموازنة المعنوية الفردية وخدمة الآخرين هو ما أنزله الله تعالى في أمير المؤمنين (ع) حينما تصدق بخاتمه وهو يصلي.

 وفي تفصيل هذه الحادثة العظيمة ذكر الشيخ الطبرسي في مجمع البيان بإسناده عن عبادة بن ربعي قال:

 بينما عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول الله (ص) إذ أقبل رجل متعمم بعمامة...

 فجعل ابن عباس لا يقول: قال رسول الله، إلا قال الرجل: قال رسول الله.

 فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟

 فكشف العمامة عن وجهه وقال:

 «يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري سمعت رسول الله (ص) بهاتين وإلا فصمّتا، ورأيته بهاتين وإلا فعميتا يقول:

 «علي قائد البررة, وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله».

 أما أني صليت مع رسول الله (ص) يوماً من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يده إلى السماء وقال:

 اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً.

 وكان عليّ (ع) راكعاً فأومأ بخنصره اليمنى إليه، وكان يتختم فيه فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين رسول الله (ص)، فلما فرغ من صلاته، رفع رأسه إلى السماء وقال:

 «اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إلَيْكُمَا﴾، اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك اللهم فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً اشدد به ظهري».

 قال أبو ذر:

 «فوالله ما استتم رسول الله  الكلمة حتى نزل عليه جبرائيل من عند الله فقال: يا محمد إقرأ.

 قال (ص): وما أقرأ!

 قال: أقرأ:

 ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾([95])».

 فالإمام علي (ع) في هذه الحادثة جمع بين عملين عظيمين في وقت واحد هما: الصلاة والتصدق على الفقير، ليرسم قاعدة الموازنة في قمة صورها فالاختلاء مع الله تعالى والتوجه إليه بقمة المعنوية القلبية لم تصرف علياً عن العمل الاجتماعي وخدمة الآخرين. وقد حيَّرت هذه الحادثة من لم يلتفت إلى قيمة الموازنة في هذا العمل فتعجب من فعل أمير المؤمنين (ع) هذا.

 فمن المعروف أن الإمام علي (ع) كان في صلاته يستغرق في الله إلى حد روي أنه وقع في رجله نصل، فلم يمكن إخراجه، فقالت السيدة فاطمة:

 «أخرجوه في حال صلاته، فإنه أثناء الصلاة لا يحس بما يجري عليه، فأخرج وهو في صلاته»([96]).

 من هنا ورد إن ابن الجوزي اعترض على بعض الخطباء بأن علياً (ع) من استغراقه الكامل في ذات الله لدى الصلاة كيف التفت إلى السائل وأعطاه خاتمه!!

 فأجاب الخطيب بالبداهة:

 يُسقي ويشربُ لا تلهيه سكرته

عن النديم ولا يلهوا عن الكأس

 أطاعه سكره حتى تمكن من

 فعل الصحاة فهذا أفضل الناس([97])

 نعم، إن القيمة الكبرى لعمل أمير المؤمنين (ع) والذي استنزل آية الولاية الكبرى هو أنه جمع بين قمة التوجه إلى الله في حالته المعنوية وبين قضاء حاجة الفقير بالتصدق عليه.

الرسول الأكرم (ص) في مواجهة الإفراط في المعنويات

 ذكرنا سابقا المسلك المفرط في المعنويات والمنحاز إليها على حساب الحياة الاجتماعية. يبدوا أن هذا المسلك كان على عهد رسول الله (ص) الذي واجهه بشدة تبدوا من خلال الروايات التالية:

 1ـ عن الإمام علي (ع) قال:

 «إن جماعة من الصحابة كانوا حرموا على أنفسهم النساء والإفطار بالنهار والنوم بالليل، فأخبرت أم سلمة رسول الله (ص)، فخرج إلى أصحابه، فقال: أترغبون عن النساء؟! إنّي آتي النساء، وآكل بالنهار، وأنام بالليل: فمن رغب عن سنتي فليس مني ...»([98]).

2ـ عن الإمام الصادق (ع) قال:

 «جاءت امرأة عثمان بن مظعون إلى النبي (ص) فقالت: يا رسول الله إنّ عثمان يصوم النهار ويقوم الليل. فخرج رسول الله (ص) مغضباً يحمل نعليه حتى جاء إلى عثمان فوجده يصلّي، فانصرف عثمان حين رأى رسول الله (ص) فقال له: يا عثمان، لم يرسلني الله بالرهبانية، ولكن بعثني بالحنيفية السمحة أصوم وأصلي وألمس أهلي، فمن أحب فطرتي فليستنّ بسنتي، ومن سنتي النكاح»([99]).

3ـ عن الإمام الصادق (ع) قال:

 «إنّ ثلاث نسوة أتين رسول الله (ص) فقالت إحداهن: إن زوجي لا يأكل اللّحم، وقالت الأخرى: إنّ زوجي لا يشمّ الطيب وقالت الأخرى: إنّ زوجي لا يقرب النساء، فخرج رسول الله (ص) يجرّ ردائه حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال القوم من أصحابي لا يأكلون اللّحم، ولا يشمون الطيب، ولا يأتون النساء؟! أما إنّي آكل اللّحم، وأشمّ الطيب، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»([100]).

الإمام علي (ع) في مواجهة الإفراط في المعنويات

 دخل الإمام علي (ع) في البصرة على العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه يعوده، فلمّا رأى سعة داره قال (ع):

 «ما كنت تصنع بسعة هذه الدار وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج؟ ويلي أن شئت بلغت بها الآخرة تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتُطلع منها الحقوق مطالعها، فإذن أنت قد بلغت بها الآخرة».

 فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد. قال (ع): ما له؟ قال: لبس العبادة وتخلى عن الدنيا. قال (ع): عليَّ به، فلما جاء قال(ع):

 «يا عُديّ نفسه لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك، أترى الله أحلّ لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟! أنت أهون على الله من ذلك!».

 قال يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك.

 قال (ع):

 «ويحك إني لست كأنت إن الله ـ تعالى ـ فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كي لا يتبيَّغ بالفقير فقره»([101]).

زهد سلمان

 ويبدو أن هذا النمط من التفكير واجه سلمان الفارسي المحمدي حينما علم البعض أن سلمان كان إذا أخذ العطاء من بيت المال رفع منه قوته لسنته حتى يحضر عطاؤه من قابل، فقبل له: يا أبا عبد الله، أنت في زهدك تصنع هذا؟!! وإنك لا تدري لعلك تموت اليوم أو غداً.

 فكان جوابه: «ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليَّ الفناء؟ أوما علمتم يا جهلة أن النفس تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت»([102]).

نتيجة البحث

 

الحالــــة

           رأي الإسلام

 

1ـ التفرُّغ للاختلاء مع الله والاهتمام بالحالات المعنوية والفردية والابتعاد عن الحياة الاجتماعية والسياسية

          مرفوض

 2ـ الاهتمام بالحياة الاجتماعية وشؤون الناس وترك الحالات المعنوية الفردية

          مرفوض

 3ـ العمل على أمرين: تصفية الباطن بالمعنويات والاهتمام بالحياة الاجتماعية والسياسية

 هو السير الصحيح

 تطبيقات

الحالة الأولى

 قد يقول البعض: إن علاج الآخرين إنما يصحُّ لي حينما لا يضر بحالتي العرفانية أو يزاحمها، فإن حصل الضرر أو المزاحمة فإني أكتفي بنفسي ولا أتدخل في علاج الآخرين والدليل على ذلك قوله تعالى:

 ﴿... عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾([103]).

 الجواب: إن هذا القول يتناقض مع الآيات الآمرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعنى الآية السابقة هو عدم التحسر على الذين لا ينفعهم الإرشاد والهداية، وذلك من قبيل قوله تعالى:

 ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾([104]).

 وقوله تعالى:

 ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾([105]).

الحالة الثانية:

 قد يقول البعض: طالما أن الإسلام منع الترهبن، فيصح أن أتنعَّم بالدنيا بقدر ما أريد من دون أن يمنع هذا من سلوكي وسيري في سبيل الله تعالى.

 الجواب: صحيح أن المؤمن يحق له أن يتمتع بالدنيا لكن عليه أن ينتبه إلى الأمور التالية:

 الأول: يجب أن يؤدي ما عليه من حقوق وواجبات ويلتفت إلى عدم ارتكاب أي محرم.

 الثاني: ينبغي أن لا يغفل عن مواساة الآخرين فيما أنعم الله به عليه.

 الثالث: ينبغي أن لا يصل تنعمه بالنعم المحللة إلى مستوى تعلق القلب بها فيأسى على ما فاته، بل ينبغي أن يكون دائماً في حالة الرضا بقضاء الله في السرَّاء والضرَّاء ليكون محققاً للهدف من قوله تعالى:

 ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾([106]).

 فليس الزهد أن لا يملك الإنسان شيئاً إنما الزهد أن لا يملكه شيء إنه صراع بين المالك والمملوك ودعوة الله للإنسان أن يكون هو المالك بشعور حقيقي أن الملك الواقعي هو لله وحده.

 وللبحث تتمة إقرأها في كتابنا

 «برنامج السير والسلوك»

ــــــــــــــــــــــــ

([1]) الريشهري، محمدي، ميزان الحكمة، بيروت، الدار الإسلامية، 1985م، ج4، ص186.

 ([2]) هذا التعبير هو لآية الله السيد كاظم الحائري.

 ([3]) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، تحقيق الشيرازي، ط5، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1983، ج5، ص280 ـ 281.

 ([4]) سورة الزمر، الآية/9.

 ([5]) عرفانيان، غلام رضا، صلاة الليل، ط3، قم، بصيرتي، 1410هـ، ص25.

 ([6]) سورة الطور، الآية/49.

 ([7]) سورة الفرقان، الآية/64.

 ([8]) عرفانيان، غلام رضا، صلاة الليل، ص29

 ([9]) المرجع السابق، ص29 ـ30

 ([10]) المرجع السابق، ص31.

 ([11]) المرجع السابق، ص32.

 ([12]) المرجع السابق، ص32.

 ([13]) الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، تحقيق الحسيني، ط2، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1983، ج1، ص407.

 ([14]) بشروط خاصة مذكورة في الكتب الفقهية، راجع كتاب(أحكام الاعتكاف) إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، بيروت.

 ([15]) الصدر، محمد باقر، الفتاوى الواضحة، ص655.

 ([16]) سورة طه، الآية/1.

 ([17]) القمي، عباس، كحل البصر، قم، انتشارات الرسول المصطفى (ص)، 1404هـ، ص78.

 ([18]) القمي، اصغر ناظم، الفصول المائة، قم، انتشارات أهل البيت ^، 1411هـ، ج4، ص118.

 ([19]) شويحطات: نوع من الأشجار.

 ([20]) وفي الأمالي: كم من موبقة حلمت بها عني فقابلتها بنعمتك.

 ([21]) الغابر: الماضي وضد الباقي.

 ([22]) الكلى: جمع الكلية.

 ([23]) في الأمالي: الهبات.

 ([24]) أنعم: زاد وبالغ، وفي الأمالي: أنغمر.

 ([25]) القمي، اصغر ناظم، الفصول المائة، قم، انتشارات أهل البيت ^، 1411هـ، ج4، ص121 ـ122.

 ([26]) الثفنة بكسر بعد فتح: ما يمسّ الأرض من البعير بعد البروك ويكون فيه غلظ من ملاطمة الأرض، وكذلك كان في جبين أمير المؤمنين (ع) من كثرة السجود.

 ([27]) المرجع السابق، ص119.

 ([28]) انظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، تحقيق محمود درياب، ط1، بيروت، دار التعارف، 2001م، ج18، ص12.

 ([29]) المرجع السابق، ص63.

 ([30]) المرجع السابق، ص63.

 ([31]) المرجع السابق، ص237.

 ([32]) المرجع السابق، ص243.

 ([33]) الحسني، هاشم، سيرة الأئمة الاثني عشر، ط1، قم، الشريف الرضي، 1409هـ، ج2، ص33.

 ([34]) المرجع السابق، ص34ـ 35.

 ([35]) المقرم، عبد الرزاق، مقتل الحسين (ع)، ط2، قم، دار الثقافة، ص282.

 ([36]) سورة الكهف، الآية/45.

 ([37]) سورة يونس، الآية/24.

 ([38]) سورة الحديد، الآية/ 20.

 ([39]) الريشهري، محمدي، ميزان الحكمة، ج3، ص324.

 ([40]) الريشهري، محمدي، ميزان الحكمة، ج3، ص293ـ 294.

 ([41]) المرجع السابق، ص331.

 ([42]) المرجع السابق، ص294.

 ([43]) المرجع السابق، ص295.

 ([44]) سورة القصص، الآية/77.

 ([45]) سورة الأعراف، الآية/32.

 ([46]) الريشهري، محمدي، ج3، ص285.

 ([47]) المرجع السابق، ص291.

 ([48]) بيضون، لبيب، تصنيف نهج البلاغة، ط2، طهران، مركز النشر في مكتب الإعلام الإسلامي، 1408هـ، ص886ـ887.

 ([49]) الريشهري، محمدي، ميزان الحكمة، ج3، ص330.

 ([50]) المرجع السابق، ص296.

 ([51]) بيضون، لبيب، تصنيف نهج البلاغة، ص903.

 ([52]) الريشهري، محمدي، ميزان الحكمة، ج3، ص330.

 ([53]) انظر: (رحاب نهج البلاغة) للشهيد المطهري، ط1، بيروت، الدار الإسلامية، 1412هـ، ص169ـ 201.

 ([54]) سورة البقرة، الآية /30.

 ([55]) سورة البقرة، الآية /195.

 ([56]) سورة البقرة، الآية /261

 ([57]) سورة البقرة، الآية /244.

 ([58]) سورة التوبة، الآية/19.

 ([59]) سورة النساء، الآية/100.

 ([60]) سورة آل عمران، الآية/169.

 ([61]) انظر: بركات، أكرم، محاظرات عاشورائية/ ص37ـ 38

 ([62]) الريشهري، محمدي، ميزان الحكمة، بيروت، الدار الإسلامية، 1985م، ج2، ص537.

 ([63]) المرجع السابق.

 ([64]) المرجع السابق، ص537.

 ([65]) المرجع السابق، ص538.

 ([66]) المرجع السابق، ص538

 ([67]) المرجع السابق، ص536.

 ([68]) المرجع السابق، ص539.

 ([69]) المرجع السابق.

 ([70]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ط1، بيروت، دار الفارق، ج7، ص473.

 ([71]) المرجع السابق، ص465.

 ([72]) بركات، أكرم، كيف تجعل ولدك صالحاً، ط2، بيروت، دار الولاء، 2004م، ص53.

 ([73]) بركات، أكرم، محاظرات عاشورائية، ط1، بيروت، دار الولاء، 2000م، ص36.

 ([74]) المرجع السابق، ص95.

 ([75]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج7، ص461.

 ([76]) المرجع السابق، ص483.

 ([77]) سورة غافر، الآية/8.

 ([78]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج7، ص460.

 ([79]) المرجع السابق.

 ([80]) المرجع السابق، ج18، ص111.

 ([81]) المرجع السابق، ص105.

 ([82]) المرجع السابق، ج16، ص557.

 ([83]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج18، ص63.

 ([84]) المرجع السابق، ص111.

 ([85]) المرجع السابق، ص63 (مجلت : أي أثخن جلدها)

 ([86]) المرجع السابق، ص64.

 ([87]) التستري، جعفر، الخصائص الحسينية، تحقيق جعفر الحسيني، قم، منشورات أنوار الهدى، ص171.

 ([88]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج18، ص243.

 ([89]) المرجع السابق، ص247ـ 248.

 ([90]) المرجع السابق، ص376.

 ([91]) المرجع السابق، ص376ـ 377.

 ([92]) المرجع السابق، ص377

 ([93]) المرجع السابق، ص385

 ([94]) سورة المزمل، الآيتان/6ـ 7.

 ([95]) الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، تحقيق محلاتي والطباطبائي، ط1، بيروت، دار المعرفة، 1986م، ج3، ص324ـ 325.

 ([96]) الكاشاني، محسن، المحجة البيضاء، تعليق الغفاري، ط2، قم، انتشارات إسلامي، ج1، ص397ـ 398.

 ([97]) الحائري، كاظم، تزكية النفس، ص99.

 ([98]) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت ^ لإحياء التراث، ط1، ج20، ص21، حديث9.

 ([99]) المرجع السابق، ج20، ص106ـ 107، الحديث1.

 ([100]) المرجع السابق، ج20، ص107، الحديث2.

 ([101]) الحائري، تزكية النفس، ص115ـ 116.

 ([102]) الحائري، كاظم، تزكية النفس، ص120.

 ([103]) سورة المائدة، الآية/105.

 ([104]) سورة فاطر، الآية/8.

 ([105]) سورة النحل، الآية/127 (أنظر: الحائري، كاظم، تزكية النفس، ص125).

 ([106]) سورة الحديد، الآية/23 (انظر: الحائري، تزكية النفس، ص122).

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©